0

الآباء العرب والأبناء

تساعد مشكلة تعاقب الولاية في الجمهوريات العلمانية العربية في تسليط الضوء على المعضلة التي تواجهها تلك البلدان في الانتقال إلى مرحلة ما بعد الثورية، وذلك لأن تعاقب الولاية في الأنظمة التي تفشل في بناء مؤسسات قوية قد يؤدي دوماً إلى خطر الوقوع في الأزمات الشاملة. ورغم أن تأييد البعض لنظام التعاقب الأسري على الحكم قد يكون راجعاً إلى عجز في الديمقراطية، إلا أن ذلك النظام لا يخلو تماماً من القيمة. وقد يزعم البعض أنه بمثابة اختيار للتحديث الاقتصادي، وإنهاء سياسات الصراع، وإحداث تغييرات سياسية إيجابية مع الوقت.

الحقيقة أن أعواماً من الحكم الاستبدادي المدعوم من الغرب كانت سبباً في وأد أي نمو محتمل لأي بديل ليبرالي للأنظمة العربية القائمة، وأدت إلى تحول أي تحرك غير متوقع نحو الانتخابات الحرة إلى ممارسة خطيرة للديمقراطية الإسلامية. إن الديمقراطية التي تؤدي إلى ظهور حكومات تتزعمها حركات مثل حماس، أو حزب الله، أو الإخوان المسلمين لابد وأن تتحول في النهاية إلى مناهضة الغرب ومعارضة أي "عملية سلام" مع إسرائيل تحت رعاية أميركية.

نجحت سوريا بالفعل في ضمان استمرار النظام من خلال ابتكار نظام توريث شبه ملكي للحكم مع الانتقال من حافظ الأسد إلى ولده بشار . وثمة مؤشرات توحي بأن مصر قد تسير على خطى سوريا في هذا السياق، بتولي جمال مبارك للحكم بعد رحيل والده. وعلى نفس المنوال، قد يتولى سيف الإسلام ولد معمر القذافي حكم ليبيا من بعده. لقد أخفقت هذه الأنظمة القومية العلمانية، باعتبارها نتاجاً لحركات انقلابية عسكرية ثورية، في إنتاج الشرعية الشعبية الحقيقية، فكان عليها أن ترتد إلى نظام التعاقب الأسري في الحكم، الذي مارسته الأنظمة التي أطاحت بها هذه الحركات في الأساس.

لقد تجلت وسطية التعاقب الوراثي على الحكم فيما يتصل بالسعي إلى السلام والاستقرار في موافقة حافظ الأسد على مبادرات غير مسبوقة لإثبات حسن النوايا بهدف جر حكومة إيهود باراك الإسرائيلية إلى إبرام اتفاقية سلام مع سوريا. فبعد أن تقدم به العمر وتمكن منه المرض واستشعر دنو أجله بعد أشهر قليلة، دفعه حس الضرورة إلى عقد اتفاق من شأنه أن يريح ولده قليل التجربة من عبء النضال من أجل استرداد مرتفعات الجولان.