16

في الدفاع عن اليهود، مرة أخرى

مدريد ــ على الرغم من الانطباع الذي نخرج به من مسيرات الوحدة الضخمة في مختلف أنحاء فرنسا، فإن الهجوم الأخير على المجلة الساخرة شارلي إبدو لا يعني أن حرية التعبير تتعرض لأي تهديد خطير في أوروبا الغربية. ولا يشير إلى أن التطرف الإسلامي يوشك على نحو ما أن يبتلع المجتمعات الغربية أو يحولها. بل إن التهديد الذي يسلط عليه هذا الهجوم الضوء كان أقل حظاً من الدعاية: تجدد التمييز والعنف ضد يهود أوروبا.

الواقع أن مجلة شارلي إبدو ــ الأثر الأخير المتبقي من التقليد الفرنسي الفاجر والمتوحش نوعاً ما من القرن التاسع عشر والمتمثل في الرسوم الكاريكاتورية الشائنة التي تصف شخصيات دينية أو سياسية ــ ربما تكون رمزاً مثالياً لحرية التعبير. وقد نهض الأوروبيون للدفاع عن مبدأ بالغ الأهمية؛ والواقع أن حرية التعبير، مهما كانت وحشية، تحتفظ لنفسها بمكان في أي نظام ديمقراطي.

وعلى نحو مماثل، فإن "أوروبا العربية"، أو نبوءة بات يور (بنت النيل) التي توقعت هلاك الغرب بيد الإسلام، لا توشك أن تظهر. فلا توجد أحزاب إسلامية تحتل مقاعد في البرلمانات الأوروبية؛ ولا يبرز في المراكز الثقافية والقوى السياسية الكبرى في أوروبا سوى قِلة من الشخصيات الإسلامية البارزة؛ ومؤسسات الاتحاد الأوروبي محرومة بشكل خاص من العرب والمسلمين.

إن الجهود التي يبذلها المتطرفون لتجنيد وتلقين الشباب المسلم في أوروبا لا تعكس صعوداً عنيداً لنفوذ الإسلاميين ــ أو حتى المسلمين ــ في أوروبا. بل إنها تسلط الضوء بدلاً من ذلك على محاولات يائسة من قِبَل المتطرفين للتأثير على منطقة حيث تطمح الأغلبية الساحقة من المسلمين إلى الاندماج في النظام القائم وليس تحديه.