32

قلب الشعبوية المناهض للديمقراطية

سانتياجو ــ كان العديد من الرجال والنساء الذين حضروا الاجتماع السنوي لصندوق النقد الدولي في أوائل شهر أكتوبر/تشرين الأول يقولون شيئا من هذا القبيل: "تخيلوا لو رشح الجمهوريون شخصا يحمل نفس وجهات النظر المعادية للتجارة مثل ترامب، ولكنه لا يوزع الإهانات والشتائم ولا يتحرش بالنساء جنسيا. كنا لنرى شعبويا يؤيد تدابير الحماية في طريقه إلى البيت الأبيض".

المقصد الضمني هنا هو أن الشعبوية المتصاعدة على اليمين واليسار، في كل من الولايات المتحدة وأوروبا، تشكل نتيجة مباشرة للعولمة والآثار غير المرغوبة المترتبة عليها: الوظائف المفقودة وركود دخل أبناء الطبقة المتوسطة. ويكره الرجال والنساء في دافوس هذا الاستنتاج، ولكنهم اعتنقوه بحماس المهتدين الجدد.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

ومع ذلك هناك وجهة نظر بديلة وأكثر إقناعا: ففي حين يساعد الركود الاقتصادي في دفع الناخبين المنزعجين إلى معسكر الشعبويين، فإن الاقتصاد الرديء ليس شرطا ضروريا أو كافيا لتغليب السياسة الرديئة. بل على العكس من ذلك، وكما يزعم باحث العلوم السياسية جان فيرنر مولر من جامعة برينستون في كتابه الجديد: تشكل الشعبوية "شبحا دائما" يخيم على الديمقراطية التمثيلية.

والشعبوية ليست معنية بالضرائب (أو الوظائف أو المساواة في الدخول). بل هي معنية بالتمثيل ــ من يحظى بالفرصة للتحدث باسم الشعب وكيف.

يُطلِق دعاة الديمقراطية بعض المزاعم السامية المنتشية نيابة عنها. فهي على حد تعبير أبراهام لينكولن في جيتيسبيرج "حُكم الشعب، بالشعب، ومن أجل الشعب". ولكن الديمقراطية التمثيلية الحديثة ــ أو أي ديمقراطية في هذا السياق ــ تفشل حتما في أثبات هذه المزاعم. فالتصويت في انتخابات كل أربع سنوات لصالح مرشحين تختارهم آلة الحزب ليس بالضبط ما تستحضره كلمات لينكولن السامية في الذهن.

يَعرِض الشعبويون، وفقا لمولر، تحقيق ما يسميه المنظر الديمقراطي الإيطالي نوربرتو بوبيو وعود الديمقراطية غير المنجزة. فالشعبويون، كما يزعم مولر، يتكلمون ويتصرفون "وكأن الناس قادرون على إنتاج حكم مُفرَد... وكأن الناس شخص واحد... وكأن الناس قادرون على التحكم في مصائرهم بالكامل بمجرد تمكين الممثلين المناسبين".

ترتكز الشعبوية على ثالوث سام: إنكار التعقيد، ومناهضة التعددية، ورؤية ملتوية للتمثيل.

يعتقد معظمنا أن الاختيارات الاجتماعية (بناء المزيد من المدارس أو المستشفيات؟ تحفيز أو تثبيط التجارة الدولية؟ تحرير أو تقييد الإجهاض؟) معقدة، وأن وجود التعددية في وجهات النظر حول ما ينبغي فِعله أمر طبيعي ومشروع. ويُنكِر الشعبويون هذا. فعلى حد تعبير رالف داريندورف، الشعبوية بسيطة؛ والديمقراطية معقدة. ويرى الشعبويون أن هناك وجهة نظر وحيدة صحيحة ــ وهي وجهة نظر الشعب.

إذا كان الأمر كذلك، فإن الآليات المعقدة التي تستعين بها الديمقراطية الليبرالية، مع تأكيدها على التفويض والتمثيل، تصبح غير لازمة بالمرة. ولا حاجة إلى برلمانات تتناقش إلى ما لا نهاية: فمن الممكن التعبير عن الإرادة الوحدوية للشعب بسهولة في تصويت واحد. و��ذا يفسر عِشق الشعبويين للاستفتاءات. ها هو ذا الخروج البريطاني، فهل من مزيد؟

ليس الأمر أن أي شخص يمكنه تمثيل الشعب فحسب. بل تذهب المطالبة إلى التمثيل القصري. ولنتذكر هنا تباهي ترامب في خطابه أمام المؤتمر الوطني الجمهوري: "أنا وحدي قادر على إصلاح الأمر".

أنبأنا أرسطو بأن السياسة تدور دوما حول الأخلاق. ولكن الشعبويين يفضلون ما يسميه مولر تفسيرا أخلاقيا خصوصيا للسياسة. فأولئك الذين يحملون وجهة النظر الصحيحة حول العالَم أخلاقيون؛ والبقية غير أخلاقيين من أذناب النخبة الفاسدة وأتباعها المتزلفين. وكان هذا على وجه التحديد خطاب حاكم فنزويلا الراحل هوجو شافيز. وعندما فشل ذلك، وأغرق شافيز اقتصاد بلاده، كانت الإمبريالية الأميركية متاحة دوما لتحميلها اللوم. وعلى هذا فإن الشعبوية شكل من أشكال سياسات الهوية. فالحال دوما هي "نحن" في مواجهة "هم".

والشعبوية من هذا المنظور ليست أداة تصحيحية مفيدة للديمقراطية التي استولى عليها التكنوقراط والنخب كما تريدنا مارين لوبان، أو رافييل كوريا، أو رجب طيب أردوغان، أو مجموعة متنوعة من المفكرين الغربيين، أن نعتقد.

ما العمل إذن؟ في اعتقادي (هذه وصفتي أنا وليست لمولر) أن الديمقراطيين يتعين عليهم (ويمكنهم) التغلب على الشعبويين في لعبتهم. وبهذا يصبح من الممكن تحويل الثالوث السام إلى علاج صحي مفيد.

أولا، اعترف بالتعقيد. الشيء الوحيد الذي يزعج الناخبين بقدر ما يزعجهم الكذب عليهم هو أن يعاملوا معاملة الأطفال الصِغار. فالناس الذين يعيشون حياة صعبة يعرفون أن العالَم معقد. وهم لا يمانعون أن يُقال لهم ذلك. وهم يقدرون أن يحدثهم الساسة باعتبارهم بالغين.

ثانيا، لا تتعامل مع تنوع الآراء والهويات بوصفه مشكلة تستدعي حلا تكنوقراطيا. بل عليك بدلا من ذلك أن تجعل احترام هذا التنوع سِمة أخلاقية عميقة من سمات المجتمع. وحقيقة أننا لسنا جميعا متشابهين وأننا نظل رغم ذلك قادرين على التعايش تمثل في حد ذاتها إنجازا ديمقراطيا. وعليك أن تسوق الحجج الداعمة لها. ولا تنخدع بالمقولة النمطية المبتذلة التي تزعم أن العقل للديمقراطيين والعاطفة للشعبويين. وكن حريصا على الدفع بالحجج الداعمة للديمقراطية التعددية على نحو يلهم ويحرك العاطفة.

ثالثا، دافع عن التمثيل واعمل على تحديثه. واترك التفويض للأمور الفنية المعقدة. واستغل التكنولوجيات الحديثة لجلب اختيارات أخرى ــ وخاصة تلك التي تتعلق بنسيج الحياة اليومية ــ أقرب إلى الناخبين. ومن الأهمية بمكان إحكام قوانين تمويل الحملات الانتخابية، وتنظيم جماعات الضغط بشكل أفضل، وفرض تدابير العمل الإيجابي لضمان انتماء الممثلين إلى الشعب وعملهم لصالح الشعب.

لن تضمن هذه التدابير وحدها الوفاء بكل وعود الديمقراطية غير المنجزة. ولكن لا يجوز لنا أن نتوقع من مجموعة منفردة من التدابير البسيطة أن تكون كافية لحل مشكلة معقدة. ولا ينبغي لنا أن نعتقد أننا قادرون على حلها بمفردنا.

Fake news or real views Learn More

فإذا كان ذلك اعتقادنا فإننا بذلك نصبح شعبويين. ومن أجل الديمقراطية، هذا هو على وجه التحديد ما لا ينبغي لنا أن نكون.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel