1

الأصوات خلف أنجيلينا جولي

نيويورك ــ في السادس والعشرين من مايو/أيار، توفيت ديبي مارتن عمة أنجيلينا جولي بسبب سرطان الثدي ولم يتجاوز عمرها 61 عاما. كما توفيت مارشيلين بيرتراند والدة جولي وعمرها 56 عاماً بمرض سرطان المبيض. وقبل أسبوعين من وفاة مارتن، كشفت جولي أنها خضعت لعملية استئصال الثديين على سبيل الوقاية بعد ثبوت حملها للتحور الجيني المرتبط بجعل المرأة أكثر عُرضة للإصابة بسرطان الثدي بخمس مرات وأكثر عُرضة لسرطان المبيض بثماني وعشرين مرة.

واختبار هذا التحور مكلف ــ نحو 3500 دولار. وفي الولايات المتحدة لا يغطي التأمين الصحي هذه التكلفة إلا إذا كانت قريبة من الدرجة الأولى ــ على سبيل المثال الوالدة ــ كان لها تاريخ من الإصابة بسرطان الثدي أو المبيض؛ أما غير ذلك من النساء فيدفعن من جيوبهن. ونظراً للفوائد المترتبة على الرعاية الوقائية، فقد أصبح هذا الاختبار مثيراً للجدال على نطاق واسع، لأن الشركة المصنعة له، مايريد جينيتيكس، تحتفظ ببراءة الاختراع الجينية التي تعطيها حق الاحتكار ــ فضلاً عن أرباح هائلة ــ لكل الاختبارات.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

وكان إعلان جولي سبباً في تسليط الضوء على هذه القضية. فهي على نطاق أكثر اتساعاً تلك الفنانة النادرة والرمز الجنسي القادرة مثل مادونا وقلة من النساء على إملاء سردها الخاص حول "معنى" شهرتها. وبالنسبة لجولي فإن هذا يعني غالباً استخدام مكانتها المبدعة لدفع أجندة إيجابية، سواء كانت القضية تتعلق باللاجئين السوريين في الأردن أو الوعي بسرطان الثدي.

وكان كشفها عن عملية استئصال ثدييها ــ والدعم الواضح من شريكها براد بيت ــ سبباً في استفزاز استجابة حماسية من وسائل الإعلام الشعبية، بما في ذلك الصحافة الصفراء التي وصفتها ذات يوم بالمرأة الأخرى التي خربت زواج بيت السابق. وهناك أمر ما حول هذا السرد ــ واحدة من أبرز الرموز الجنسية تضحي بثدييها من أجل أطفالها، مع وقوف زوجها بجانبها يؤيدها ويشد من أزرها ــ يبث الطمأنينة العميقة في أنفس النساء في الثقافة الغربية.

ولكن بوسع المرء أن يكون على يقين إلى حد كبير من أن قرار جولي سوف يبدل الأدوار المتاحة لها كممثلة. فبرغم الحماس الذي تلقت به وسائل الإعلام العالمية اختيارها، فإنه من الصعب في الغرب أن تصور المرأة باعتبارها أماً ــ ناهيك عن كونها "معيبة" أو "معوقة" بدنيا ــ ورمزاً جنسياً في نفس الوقت.

ولكن الأهمية الحقيقية لقصة جولي تكمن في سياقها: موجة من النساء والرجال، في ظروف مختلفة تماماً في مختلف أنحاء العالم، يصرون على سرد نظرتهم الخاصة للأحداث التي تشتمل على أجسادهم ــ أحداث كانت ذات يوم، مثل سرطان الثدي، تحاط بالخزي والعار، أو الصمت، أو اللوم. وقد رفضت جولي التعامل مع استئصال الثدي باعتباره حدثاً مخيفاً أو مأساويا ــ أو وكأنها يجعلها "أقل أنوثة" بأي حال من الأحوال. وهي بهذا تصنع نموذجاً لرفض كونها المرأة الضحية؛ ومن خلال قرارها هذا فإنها أيضاً تصنع نموذجاً للواسطة في ما يتعلق بجسدها و"قصته".

إن جولي شخصية بارزة، ولكنها ليست وحدها. ولنتأمل هنا حالة النساء البرازيليات اللاتي يتقدمن للحديث علناً عن اغتصابهن في الحافلات العامة ــ وهي الهجمات التي تشبه اعتداءات مماثلة في الهند ومصر. أو لنتأمل حالة اثنتين من العاملات الشابات لدى مسؤولين في مدينة نيويورك، واللتين تقدمتا علناً بشكاواهما عن تعرضهما للتحرش الجنسي من قِبَل عضو مجلس النواب في نيويورك فيتو ل. لوبيز.

وعلى نحو مماثل، فإن الرجال الذين تعرضوا للاعتداء الجنسي في سبعينيات القرن العشرين في هوراس مان، المدرسة الخاصة المرموقة في مدينة نيويورك، يرفضون إدامة الصمت و"العار" إزاء وقوعهم ضحية لدائرة من المولعين جنسياً بالأطفال (والمسؤولين في المدرسة الذين غطوا على ذلك السلوك المشين). وقد انضموا الآن إلى دعوى قضائية حظيت بتغطية إعلامية كبيرة ضد المدرسة، وخرجوا إلى ضوء النهار بأسمائهم الحقيقية.

لا شك أن الزمن تغير ــ جزئياً بسبب الناس وتصرفات كهذه. فقبل 22 عاما، عندما اتهمت أنيتا هل علناً المرشح للمحكمة العليا في الولايات المتحدة آنذاك كلارنس توماس بالتحرش الجنسي، فإنها هي رغم كونها الضحية المزعومة التي تعرضت للتمحيص والاستقصاء وتشويه السمعة بوصفها "مختلة بعض الشيء وعاهرة بعض الشيء".

في جميع هذه الحالات، يستطيع المرء أن يرى المرأة التي أجبرت على التزام الصمت ذات يوم ــ أو طفل من كلا الجنسين ــ تتولى زمام المسؤولية والحق في التحدث عن موقفها وإعادة صياغة السرد العام لقصتها. وهي وأمثالها فقط القادرات على إعطاء المغزى الرسمي للقصة حول صدورهن، وأجسادهن، والأحداث الصعبة المتصلة بها.

عندما بدأت في السنوات الأخيرة أصر على أن الصمت التقليدي وعدم الكشف عن هوية ضحايا الاغتصاب لا تحميهم، بل إن ذلك لا يفضي إلا إلى إدامة ذلك الإطار الفيكتوري حيث يشن المغتصبون هجماتهم ويفلتون من العقاب ويطلب من الضحايا أن يحملوا "العار"، قوبلت حجتي بالعداء. ولكن الأحداث تثبت أنني كنت على حق: فلا شيء يتغير إلى أن يتغير كل شيء ــ إي عندما تتقدم كتلة حرجة من "الضحايا" بأسمائهم الحقيقية لرفض العار الملصق بهم لأنهم يحملون مرضاً مخيفاً "ومشوها"، أو لأن مغتصبين اعتدوا عليهم، أو لأن بعض المولعين بالأطفال استغلوهم وأساءوا معاملتهم.

Fake news or real views Learn More

إن أنجيلينا جولي تضع وجهاً شهيراً على هذه الظاهرة. ولكن كثيرين غيرها يقفون بالفعل ويعلنون، بأسمائهم الحقيقية: "أنا أملك الحق في التحدث علناً عما حدث لي، وتعريفه بكلماتي الخاصة؛ والعار ليس عاري أنا".

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel