0

بِحار بلا قانون

سانتياجو ــ تكاد سيادة القانون تكون غائبة تماما، مع اختفاء أي شكل من أشكال الإدارة أو ضبط الأمن تقريبا. وتشيع الأنشطة غير القانونية وغير المسجلة أو المنظمة إلى حد كبير. ويستولي الأقوياء على الموارد غير المتجددة على حساب الضعفاء. والتدهور البيئي آخذ في الارتفاع.

قد يبدو هذا أشبه بوصف لدولة فاشلة، أو دولة فقيرة مبتلاة بحرب أهلية، أو "مدينة غير فاضلة" خيالية. غير أنني لا أتحدث عن أي مما سبق. إن المنطقة الشاسعة (45% من إجمالي مساحة كوكب الأرض) والتي تكاد تكون غير خاضعة لأي شكل من أشكال الحكم أو الإدارة أو سيادة القانون تمثل أعالي البِحار ــ أو ما يقرب من ثلثي محيطات العالم التي تقع خارج اختصاص أي بلد قانونا.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

ولكن كيف قد يكون هذا ممكنا؟ فهناك اتفاقية الأمم المتحدة بشأن قانون البِحار لعام 1982 والملزمة قانونا، والتي صدقت عليها 166 دولة والاتحاد الأوروبي. عندما بدأ التفاوض على اتفاقية الأمم المتحدة بشأن قانون البِحار، كانت أعالي البحار محمية لأن الوصول إليها لم يكن واردا. ولكن التقدم التكنولوجي مَكَّن عمليات استغلال الموارد من الامتداد إلى مسافات وأعماق أعظم من أي وقت مضى. فالآن تستطيع سفن الصيد أن تعمل عبر المحيط، ويوفر الحفر في أعماق البحار نسبة متزايدة من احتياجاتنا من النفط والغاز. ولم تتمكن اتفاقية الأمم المتحدة بشأن قانون البِحار من مواكبة هذه التطورات.

تخضع الصناعات والأنشطة مثل صيد الأسماك والشحن والتعدين في قيعان البحار لتنظيم بشكل منفصل. ولا يوجد إطار يحكم عمل صناعات أعالي البحار الناشئة مثل إنتاج الطاقة. وتتسم الشفافية والمساءلة في هذا السياق بالضعف، ولا يُفرَض القانون هناك إلا قليلا.

وعلاوة على ذلك، تملك السلطات قدراً محدوداً من السلطة التي تخولها اعتراض السفن المشتبه في مزاولتها لأنشطة غير قانونية. ونتيجة لهذا، أعيقت إلى حد كبير جهود التعاون الدولي في مواجهة الصيد غير المشروع وتهريب الأسلحة والمخدرات والمتاجرة بالبشر والقرصنة واستخدام السفن في عمليات إرهابية.

والعواقب المترتبة على هذا الوضع وخيمة. فالمحيط هو نظام الدعم للحياة على كوكبنا، فهو يعمل على إبقائه موفور الصحة ومنتجا. ولكن الصيد الجائر والتلوث يلحقان أضراراً هائلة بالمحيط.

فالحطام البحري يتسبب سنوياً في نفوق نحو مليون طائر بحري ونحو مائة ألف من الثدييات البحرية (الفقمة والحيتان والدلافين) إما بإغراقها أو خنقها أو تجويعها حتى الموت، ناهيك عن المخاطر التي يفرضها الشحن بسفن عتيقة. كما تحول البلاستيك ــ بما في ذلك كريات البلاستيك الصغيرة والمتناهية الصغر التي تدخل في السلاسل الغذائية وقد تشكل خطراً على صحة الإنسان ــ إلى مشكلة متنامية.

وعلى نحو مماثل، تعمل درجات الحرارة المتزايدة الارتفاع على الحد من قدرة المحيطات على حمل الأكسجين. كما يعمل الامتصاص المتزايد لثاني أكسيد الكربون على أكسدة المحيطات وإحداث تغيرات غير مسبوقة في الظروف الكيميائية والفيزيائية، وهو ما يؤثر بدوره على الكائنات البحرية والنظم الإيكولوجية. والآن أصبحت حياة المحيطات العالمية مهددة.

لقد حان الوقت لجلب سيادة القانون إلى أعالي البحار. وهذا هو الغرض من إنشاء المفوضية العالمية للمحيطات، وهي هيئة دولية مستقلة تضم رؤساء دول ووزراء سابقين ورجال أعمال. وأنا أحد أعضاء هذه المفوضية. وفي الأسبوع الماضي اقترحنا حزمة إنقاذ تقدم ثمانية اقتراحات لتحسين إدارة صحة المحيطات واستعادتها.

ولتحسين حوكمة وإدارة أعالي البحار، تنضم المفوضية العليا للمحيطات إلى الدعوة إلى إبرام اتفاق جديد في إطار اتفاقية الأمم المتحدة بشأن قانون البحار لحماية التنوع البيولوجي خارج حدود السيادة الوطنية. والواقع أن أقل من 1% من أعالي البحار تحظى بالحماية حاليا، لذا فمن الأهمية بمكان أن يتضمن هذا الاتفاق الجديد بنوداً تقضي بإنشاء مناطق محمية في أعالي البحار.

ونقترح أيضاً اعتماد اتفاقية دولية لتحديد المسؤولية القانونية والتعويض عن الخسائر الاقتصادية والضرر البيئي الناجم عن التنقيب عن النفط والغاز وإنتاجهما في البحار، وهو ما يجب أن يكون خاضعاً دوماً لبروتوكولات سلامة ملزمة قانونا.

وعلى الرغم من الصيد الجائر، فإن حفنة من البلدان ــ بما في ذلك الولايات المتحدة واليابان والصين فضلاً عن الاتحاد الأوروبي ــ تدعم بشكل مصطنع الصيد الصناعي في أعالي البحار. وفي غياب إعانات الدعم، لن يكون الصيد في أعالي البحار قابلاً للاستمرار ماليا. ونحن نقترح تحديد سقف لإعانات الدعم على الفور ثم إلغائها تماماً في غضون خمس سنوات، وإلزام البلدان بالشفافية الكاملة بشأن كل إعانات دعم الصيد، والتي تعمل 60% منها تقريباً على تشجيع الممارسات غير المستدامة بشكل مباشر.

علاوة على ذلك، ومن أجل القضاء على الصيد غير المشروع الذي يجرد محيطاتنا من الحياة البحرية، ندعو إلى إنشاء أرقام تحديد إلزامية لتتبع كل سفن الصيد في أعالي البحار، وفرض حظر كامل على نقل البضائع من سفينة إلى أخرى في البحر. ومن خلال إغلاق الثغرات سوف نتمكن أخيراً من إغلاق موانئنا وأسواقنا عن الأسماك التي يتم الحصول عليها بشكل غير قانوني. ولابد أن يعمل مجلس عالمي مستقل للمساءلة حول الأنشطة البحرية ــ والذي نقترح تأسيسه ايضا ــ على مراقبة التقدم على كافة هذه الجبهات.

في غضون خمس سنوات، إذا استمر تدهور المحيطات وعدم تنفيذ تدابير المنع الكافية، فيتعين على المجتمع الدولي أن يفكر في تحويل أعالي البحار ــ باستثناء تلك المناطق حيث تتخذ منظمات إدارة مصائد الأسماك الإقليمية تدابير فعّالة ــ إلى منطقة إعادة تجديد وإحياء يُحظَر فيها صيد الأسماك الصناعي.

الواقع أننا قادرون على عكس تدهور المحيطات، وتحويل دورة الانحدار إلى دورة تجدد. ونحن نعرف ما الذي ينبغي لنا أن نقوم به لاستعادة صحة المحيطات، غير أننا غير قادرين على القيام بهذا بمفردنا. إن تحقيق التغيير سوف يتطلب الإرادة السياسية والجهود المتضافرة من قِبَل الحكومات والشركات والمجتمع المدني. وهذا ممكن، بل لابد من القيام به.

Fake news or real views Learn More

وبوسعكم أن تنضموا إلى مهمتنا بزيارة هذا الموقع على شبكة الإنترنت: "http://missionocean.me". فقد حان وقت العمل الآن. وما لم نستجب بالإدارة القوية وتفعيل الأدوات الضرورية لفرض القواعد التنظيمية، فسوف يستمر القراصنة في الصيد غير القانوني بلا عقاب، ولن نتمكن من فرض معايير سلامة دولية ملزمة تحكم عمليات التنقيب عن النفط والغاز في البحار العميقة، وسوف يستمر التلوث بالبلاستيك ومعدات الصيد المهجورة في الانتشار. وكلما طال نضال محيطات العالم من أجل الحفاظ على قدرتها على الاستمرار، كلما تعاظم عناء وكفاح أبناؤنا وأجيال المستقبل من أجل البقاء على قيد الحياة.

ترجمة: أمين علي          Translated by: Amin Ali