24

التيار المحافظ الأميركي وأزمة الأفكار

بيركلي ــ على الركن الأيسر الخلفي من مكتبي، وضعت ثلاثة كتب حديثة: كتاب آرثر بروكس"المعركة"، وكتاب تشارلز موراي "الانهيار"، وكتاب نيكولاس إيبرستات "أمة من الآخذين". وتشكل هذه الكتب الثلاثة مجتمعة حركة فكرية مهمة، والتي تصادف أيضاً كونها جزءاً من السبب الذي يجعل التيار المحافظ الأميركي اليوم عاجزاً عن تقديم أي قدر يُذكَر من الأفكار البناءة فيما يتصل بإدارة الاقتصاد ــ أو استمالة الناخبين الأميركيين المنتمين إلى الوسط.

ولكن اسمحوا لي أن أعود بالتاريخ إلى فترة تأسيس ما نستطيع أن نسميه التيار المحافظ الجديد في أوائل القرن التاسع عشر في بريطانيا وفرنسا. آنذاك، كان البعض ــ ويتبادر إلى الذهن فريدريك باستيات وجان بابتيست ساي ــ يعتقدون أن الحكومة يجب أن تحرص على تشغيل العاطلين عن العمل في إنشاء البنية الأساسية عندما تتعطل الأسواق أو الإنتاج مؤقتا. ولكن اعتقادهم هذا وجد ما يوازنه في آراء أشخاص مثل ناساو سينيور، الذي اعترض علناً حتى ضد أعمال الإغاثة في المجاعات: برغم أن مليون شخص قد يموتون في مجاعة البطاطس الأيرلندية، "فإن هذا لن يكون كافياً إلا بالكاد".

كان الدافع الرئيسي للتيار المحافظ المبكر المعارضة التامة لكل أشكال التأمينات الاجتماعية: إذا جعلت الفقراء أكثر ثراءً فإنهم سوف يصبحون أكثر خصوبة. ونتيجة لهذا فإن أحجام المزارع سوف تنخفض (مع تقسيم الأرض بين عدد متزايد من الأبناء)، وتهبط إنتاجية العمل، ويصبح الفقراء أكثر فقرا. وفي اعتقادهم أن التأمينات الاجتماعية لم تكن عديمة الجدوى فحسب؛ بل وكانت هدّامة أيضا.

وكان من المفترض أن تعمل السياسة الاقتصادية السليمة على تعليم الناس كيف يبجلون العرش (وبهذا يحترمون الملكية الخاصة)، والرمز الأبوي (حتى لا يتزوجون في سن الطيش)، والرموز الدينية (حتى يخشون ممارسة الجنس قبل الزواج). وربما مع حفاظ النساء على عفتهن طيلة نصف سنوات الإنجاب أو يزيد، يتضاءل الفائض في السكان وتصبح ظروف الفقراء المعيشية عند أفضل مستوى ممكن.