0

أميركا وسيناريوهات المستقبل المتضاربة

في الآونة الأخيرة اكتشفت أمراً مثيراً للاهتمام: ألا وهو أن لكل من خبراء الاقتصاد المالي الدوليين الأميركيين وخبراء الاقتصاد الشامل الأميركيين من ذوي التوجهات المحلية، وجهات نظر شديدة الاختلاف ـ بل وحتى متضاربة ـ فيما يتصل بالعواقب المحتملة للعجز الهائل في الحساب الجاري الأميركي. حيث يرجح خبراء الاقتصاد المالي الدوليون أن الأزمة المالية قادمة لا محالة، وأن هذه الأزمة ستعقبها فترة مؤلمة بـل وربما مطولة مـن الركود الاقتصادي في الولايات المتحدة. أما خبراء الاقتصاد الشامل من ذوي التوجهات المحلية، فيرون على النقيض من ذلك هبوطاً حاداً وشيكاً في قيمة الدولار، لكنهم لا ينظرون إلى هذا باعتباره أزمة بل يرون فيه فرصة للتعجيل بالنمو.

ينظر خبراء الاقتصاد الشامل من ذوي التوجهات المحلية إلى الموقف كالتالي: عند نقطة ما في المستقبل ستصبح البنوك المركزية الأجنبية أقل رغبة في الاستمرار في شراء كميات هائلة من السندات المالية المصدرة بالدولار بهدف دعم العملة الأميركية. وحين توقف تلك البنوك برامجها المكثفة لشراء الدولار فسوف تنخفض قيمة الدولار ـ ولسوف يكون انخفاضاً حاداً.

ولكن طبقاً لوجهة النظر هذه، فمع انخفاض قيمة الدولار ستزداد صادرات الولايات المتحدة جاذبية فـي أعين المستوردين الأجانب، وترتفع معدلات التوظيف وفـرص العمل في أميركا مع إعادة توزيع العمالة على قطاع التصدير الذي أصبح نابضاً بالنشاط والحيوية. ويشبه هذا السيناريو ما حدث في بريطانيا بعد تخليها عن تثبيت سعر الصرف والسماح لقيمة الجنيه الإنجليزي بالانخفاض في مقابل المارك الألماني، أو ما حدث في الولايات المتحدة في أواخر ثمانينيات القرن العشرين حين انخفض الدولار في مقابل الجنيه الإنجليزي، والمارك الألماني، و ـ في المقام الأول من الأهمية ـ الين الياباني.

أما خبراء الاقتصاد المالي الدوليون فيتوقعون مستقبلاً أكثر كآبة. فهم يرون أن توقف البرامج المكثفة لشراء الدولار من قِـبَل البنوك المركزية لن يؤدي إلى انحدار قيمة الدولار فحسب، بل وأيضاً إلى ارتفاع حاد في أسعار الفائدة على القروض طويلة الأجل في الولايات المتحدة، الأمر الذي سيؤدي بدوره إلى كبح الإنفاق الاستهلاكي على الفور، وخنق الإنفاق الاستثماري بعد فترة قصيرة.