0

الزهايمر عند مفترق الطرق

ستوكهولم ـ "إن الصحة الكاملة، شأنها كشأن الجمال الكامل، أمر نادر؛ وعلى هذا فإن الصحة الكاملة تبدو وكأنها المرض الكامل"، كانت هذه كلمات بيتر لاثام الطبيب الإنجليزي من القرن التاسع عشر. ولا شك أن مرض الزهايمر ليس استثناء: فالتغيرات في الدماغ تحدث قبل عقود من بداية ظهور الأعراض؛ ولا يوجد تشخيص بيولوجي مثبت لاختبار هذا المرض؛ وهناك فقط إشارات غير دقيقة للارتباط بين تقدم مرض الزهايمر سريريا وعصبيا. ولا يوجد علاج لهذا المرض بعد، ولكن خلافاً لما كانت عليه الحال قبل عشرة أعوام فقط، فإن علاج أعراضه أصبح الآن متاحاً على نطاق واسع.

لقد وصل مرض الزهايمر مرة أخرى إلى مفترق طرق. فلم يتم تحديث المعايير التشخيصية لهذا المرض منذ ما يقرب من العشرين عاما، ولكن هذا على وشك أن يتغير الآن. فمن المنتظر أن تصدر نسخ جديدة من التصنيف الدولي للأمراض (ICD-11)، والدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية (DSM-V)، أثناء الفترة 2013-2014، ومؤخراً نُشِرت اقتراحات بإعادة النظر في تعريف مرض الزهايمر.

Aleppo

A World Besieged

From Aleppo and North Korea to the European Commission and the Federal Reserve, the global order’s fracture points continue to deepen. Nina Khrushcheva, Stephen Roach, Nasser Saidi, and others assess the most important risks.

إن مرض الزهايمر يتم تشخيصه حالياً في وقت متأخر، في مرحلة الخرف التي تتسم باختلال إدراكي شديد إلى الحد الذي يجعله كفيلاً بتقويض الوظائف الاجتماعية والمهنية. وعندما يقع بالفعل تلف غير قابل للإصلاح في الدماغ، فإن الفوائد التي قد تترتب على أي علاج تكون محدودة في أفضل تقدير. وعلى هذا فإن شرط الخرف لتشخيص مرض الزهايمر يشكل عاملاً مهماً يسهم في فشل العديد من تجارب العقارات، كما يسهم في إحباط العديد من المرضى الذين يعانون من ضعف ولكنهم لم يبلغوا بعد مرحلة الخرف.

رسم بياني ـ توقعات انتشار مرض الزهايمر في مختلف أنحاء العالم (بالملايين) وفقاً لمراحل المرض، أثناء الفترة 2006-2050: (أ) ذكور و(ب) إناث

هناك تغيران رئيسيان مترابطان يحدثان في تعريف مرض الزهايمر. فأولا، هناك تحول في التركيز من الخرف إلى مراحل المرض السابقة للخرف. وثانيا، هناك ميل إلى الانتقال من معايير سريرية في الغالب إلى معايير أكثر اعتماداً على البيولوجيا، بالاستعانة بتصوير الأعصاب، وعلامات السائل النخاعي، وعلم الوراثة.

إن إنشاء عتبة جديدة لتشخيص مرض الزهايمر من شأنه أن يغذي العديد من المناقشات حيث يصبح تعريف المرض ذاته على المحك. ومن المثير للاهتمام أن يذكر العلماء مجموعتين مختلفتين من معايير تشخيص مرض الزهايمر: الأولى للعيادات والثانية للتجارب السريرية. ولا يمكننا أن نعزو هذا إلى الصعوبات الفنية التي نواجهها فيما يتصل بتقييم المؤشرات الحيوية في العيادات العادية فحسب؛ بل إن هذا يعكس أيضاً شكوك أكثر عمقاً حول الدور الذي تلعبه المؤشرات الحيوية.

فقد ارتبطت العديد من العلامات بالباثولوجيا العصبية لمرض الزهايمر أو أعراضه، ولكن بعض هذه العلامات ترتبط أيضاً بالعديد من أمراض التدهور العصبي أو غير ذلك من الأمراض. والواقع أن العديد من المسنين الذين لا يعانون من أعراض ربما يحملون إشارات حيوية إيجابية أو تغيرات في الدماغ ترتبط بمرض الزهايمر في تقييم ما بعد الوفاة.

ولكن هل تصلح المؤشرات الحيوية كمعيار حقيقي، وهل تشكل ضرورة مطلقة لتشخيص مرض الزهايمر؟ يتعين علينا أن ننتبه بشكل خاص إلى المرضى الذين يحملون إشارات حيوية إيجابية ولكن بلا أعراض، حيث أن حالات الخطر ليست بالضرورة نفس الشيء كالإصابة بالمرض.

إن الكثير من أبحاث مرض الزهايمر الحالية تركز على تحديد العلاجات المعدلة للمرض. والآن يجري اختبار العديد من الآليات المرتبطة بمرض الزهايمر، بالاستعانة بالعديد من المركبات في مراحل مختلفة من التطور. ويعمل الاتجاه الجديد اليوم في التعامل مع مرض الزهايمر على تغيير الطريقة التي يتم بها التخطيط للتجارب السريرية وإجرائها.

ولكن هل ينبغي لنا أن نستخدم المؤشرات الحيوية كوسيلة لاختيار المرضى للتجارب السريرية؟ أم أنها تعمل على أفضل نحو إذا استخدمت بعد الاختيار، كمعايير تصنيف لتقييم الاختلافات في الاستجابة للعلاج في تجارب العقاقير في مرحلة مبكرة من مرض الزهايمر؟ وه تنجح معايير المؤشرات الحيوية في تحديد المرضى الذين يعانون من المرض بشكل أكثر حدة نسبياً وأقل استجابة للعلاج؟

لا شك أن الإجابة لابد وأن تكون مستحقة لكل هذا الجهد المالي (الذي نادراً ما يبذل) لتقييم وتوثيق المؤشرات الحيوية في بداية التجارب السريرية، وقبل تقديم أي علاج للمريض.

إن معايير الإدراج والاستبعاد في التجارب السريرية قد تخلف عواقب ضخمة فيما يتصل بكل من الممارسة السريرية وحياة المرضى في حال الموافقة على علاج فعّال قادر على تعديل المرض. ومن الناحية النظرية، لابد وأن يكون المرضى الخاضعين للتجارب السريرية ممثلين لمرضى الزهايمر عموما. أي أن اقتصار المشاركين في التجارب على مرضى الزهايمر الإيجابيين للمؤشرات الحيوية قد يؤثر على إمكانية تعميم نتائج التجارب على "المرضى العاديين".

والواقع أن السؤال الأساسي الآن هو: هل يجري تعديل التجارب وفقاً للمرضى، أم يتعين علينا أن نعدل المرضى وفقاً للتجارب؟ وفي ضوء التعريف الجديد لمرض الزهايمر، إذا حصل علاج جديد على الموافقة، فكم عدد المرضى المعرضين لخطر الوقوع في الفجوة بين معايير العيادات ومعايير التجارب السريرية؟

إن تشخيص مرض الزهايمر عملية علمية بحتة، ولكن أي معجم طبي رسمي كفيل بترك تأثيرات قوية تتجاوز معايير تشخيص وعلاج المرض. فالحكومات وشركات التأمين والمرضى يستخدمون أسماء الأمراض ورموز التشخيص في مجال المحاسبة والميزانية فيما يتصل بالرعاية الصحية والعلاج الطبي والتعويض عن العجز، إلى آخر ذلك، وبغرض بناء أو تفكيك البرامج الصحية. ومن الأهمية بمكان أن تكتفي المعايير التشخيصية الجديدة لمرض الزهايمر بتلبية معايير المصداقية العلمية، بل وأيضاً معايير المساءلة العامة.

وتخلف المناقشات الدائرة حول مرحلة ما قبل الخرف أو حتى المراحل التي لا يبدو فيها على المريض أية أعراض تأثيرات أخرى بالغة الأهمية. فقد أعيد اكتشاف المبدأ القديم القائل بأن الوقاية خير من العلاج في أبحاث مرض الزهايمر، حيث كان التركيز منصباً لفترة طويلة على علاج الأعراض البادية بالفعل. ولكن التعامل مع مرض الزهايمر ليس مجرد مسألة توفير الرعاية الطبية؛ فمع تزايد الشيخوخة السكانية، تحول أيضاً إلى مشكلة كبرى في مجال الصحة العامة.

في الوقت الحالي، تجرى العديد من تجارب الوقاية الضخمة. وينصب التركيز على منظور دورة حياة مرض الزهايمر، حيث يتم التعامل مع عناصر الخطر القابلة للتعديل والتي ترتبط بالأوعية الدموية وأساليب الحياة، في وقت مبكر من منتصف العمر. فضلاً عن ذلك فإن الاعتراف الكامل بتعقيد هذا المرض لابد وأن يكون حاضراً من خلال تطبيق تدخلات وقائية متعددة المجالات، حيث يتم التعامل مع العديد من عوامل الخطر في وقت واحد.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

من الأهمية بمكان أن يلقى هذا النهج المتعدد المجالات المزيد من الاهتمام حتى في التجارب السريرية الرامية إلى علاج مرض الزهايمر، حيث لا تزال الغَلَبة لنموذج الهدف الأوحد (بروتين واحد، وآلية واحدة للمرض، وعقار علاجي واحد). إن الأمراض المعقدة قد لا تستجيب لدواء واحد، ومن غير المرجح أن نعثر على علاج واحد لمرض الزهايمر على أية حال. والواقع أن القطع الجديدة في لغز مرض الزهايمر المعقد، والمستقاة من الأبحاث قبل السريرية، قد تعني إمكانية التعرف على شبكات من التفاعلات، وليس أهدافاً محتملة واحدة للعلاج.

هناك العديد من التجارب العشوائية الخاضعة للتحكم تجرى في الوقت الحالي، هذا فضلاً عن التعاون المتزايد بين شركات الأدوية والباحثين الأساسيين وباحثي التجاري السريرية، وهو ما قد يقربنا من التوصل إلى العلاج الأمثل، فضلاً عن الاستراتيجيات الوقائية الفعّالة.