0

كل أبناء الملكة

نيويورك ـ تُرى ألا يزال النظام الملكي ـ أعني هنا الملكية الدستورية وليس الملكية الاستبدادية ـ يتمتع بأي مظهر إيجابي تعويضي؟ إن أغلب الحجج التي تساق عادة ضد الإبقاء على الملوك والملكات تتسم بالعقلانية إلى حد كبير. فمن غير المعقول في هذا العصر الديمقراطي أن نولي قدراً خاصاً من الاحترام لبعض الأشخاص استناداً إلى ظروف ميلادهم فحسب. وهل من المفترض حقاً أن نعجب بالممالك الحديثة، مثل الأسرة البريطانية المالكة في وندسور، بل ويزداد حبنا لها اليوم، لمجرد التقاطها لأميرة جديدة أخرى من الطبقة المتوسطة؟

إن المَلَكية تخلف علينا تأثيراً يحولنا إلى أشباه أطفال. وما علينا إلا أن نتأمل كيف يتحول البالغ المتعقل ـ في كافة جوانب حياته الأخرى ـ إلى متملق ذليل يتبسم بعصبية لمجرد منحه امتياز لمس اليد الملكية الممدودة نحوه. في المناسبات الملكية الكبرى، مثل الزفاف الملكي في لندن، يقع الملايين من الناس تحت أسر أحلام طفولية حول زواج ينتمي إلى "حكاية خرافية". ويبدو أن جو الغموض المحيط بالثروة الهائلة، والميلاد النبيل، والتفرد العظيم يتعزز بفعل وسائل الإعلام العالمية التي تروج لمثل هذه الطقوس.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

والآن قد يزعم البعض أن البذخ المهيب الذي تبديه الملكة إليزابيث الثانية يتفوق على العظمة المبهرجة لأشخاص من أمثال سليفيو برلسكوني، أو مادونا، أو كريستيانو رونالدو. والواقع أن الملكية البريطانية بشكل خاص كانت ناجحة في إعادة اختراع نفسها من خلال تبني العديد من المظاهر الأكثر ابتذالاً لصناعة الترفيه الحديثة أو مشاهير الرياضة. وكثيراً ما يتداخل عالم الملوك مع عالم الشهرة الشعبية.

على سبيل المثال، يعيش ديفيد بيكام وزوجته السابقة نجمة البوب فيكتوريا حلماً ملكياً خاصا، فيقلدان بعضاً من أكثر مظاهر ذلك الحلم ابتذالا. ولقد تصادف أنهما كانا من بين الضيوف المفضلين على آخر زواج ملكي. على نحو مماثل، ورغم أن بريطانيا تتمتع بعدد كبير من الموسيقيين البارزين، فإن الموسيقي المفضل لدى البلاط الملكي هو إلتون جون.

وسواء كان ذلك الشعور طفولياً أو لم يكن فهناك شغف إنساني مشترك لاستقاء المتعة بالوكالة عن حياة أشخاص آخرين من ملوك وملكات وغير ذلك من النجوم اللامعة. إن إطلاق صفة التبذير والتبديد على مظاهر الإسراف المتفاخرة يجعلنا نغفل عن النقطة المهمة في هذا الأمر: ألا وهي أن عالم الأحلام المتلألئة الذي لابد وأن يظل خارج نطاق فهمنا بالكامل هو على وجه التحديد ما يريد الكثير من الناس أن يطلعوا على خفاياه.

ولكن هناك جانب آخر مظلم من هذا التوق، والذي يتمثل في رؤية مثل هذه الأوثان المعبودة وهي تُسحَب في الوحل على صفحات مجلات القيل والقال الخبيثة، ومحاكم الطلاق، وهلم جرا. وهذا هو الجانب الانتقامي من طبيعتنا المتزلفة، وكأن إذلال الأوثان المعبودة لابد وأن يتوازن بابتهاجنا لسقوطها.

والواقع أن إرغام الأشخاص الذين يولدون لأسر مالكة، أو الأشخاص الذين يتزوجون منهم، على الحياة في أحواض سمك، حيث يتحولون إلى عرض ثابت، وكأنهم ممثلون و��مثلات في تمثيلية منزلية لا تنتهي، حيث يتم تشويه العلاقات الإنسانية وتعطيلها بقواعد بروتوكولية سخيفة، كل ذلك يشكل نمطاً رهيباً من القسوة المفرطة. حتى أن الإمبراطورة اليابانية الحالية وزوجة ابنها، وكلاهما من عائلة غير أرستقراطية، أصيبتا بانهيارات عصبية نتيجة لهذه الحياة.

وعلى نحو مماثل، يقع نجوم السينما غالباً ضحية للكحول والمخدرات والانهيار العصبي، ولكنهم على الأقل اختاروا الحياة التي يعيشونها. أما الملوك والملكات، بشكل عام، فإنهم لم يختاروا حياتهم. ولعل الأمير تشارلز كان ليحيا حياة أكثر سعادة كبستاني، ولكن ذلك لم يكن بالخيار المتاح له قط.

والأمر المؤكد عن الملوك هو أنهم يزودون الناس بشعور من الاستمرارية، وهو ما قد يكون مفيداً في أوقات الأزمات والتغيرات الجذرية. فقد وفر ملك أسبانيا الاستقرار والاستمرارية بعد نهاية نظام فرانكو الاستبدادي. وأثناء الحرب العالمية الثانية، عملت الأنظمة الملكية في أوروبا على توفير شعور بالأمل والوحدة بين رعاياها تحت الاحتلال النازي.

ولكن هناك أمر آخر أيضا. فالأنظمة الملكية كثيراً ما تتمتع بالشعبية بين الأقليات. فكان اليهود من بين أكثر الرعايا إخلاصاً للإمبراطور النمساوي المجري. ولقد وقف فرانز جوزيف الأول في صف رعاياه من اليهود عندما تعرضوا للتهديد من قِبَل الألمان المعادين للسامية. وفي نظره كان اليهود والألمان والتشيك والمجريون كلهم من رعاياه، أينما كانوا يعيشون، من أصغر قرية إلى العواصم الكبرى مثل بودابست وفيينا. ولقد عمل هذا على توفير بعض الحماية لأقليات في وقت شهد تضخماً للنزعة القومية العرقية.

وبهذا المعنى، يشبه النظام الملكي الإسلام، أو الكنيسة الكاثوليكية: حيث من المفترض أن يكون جميع المؤمنين متساويين أمام الرب، أو البابا، أو الإمبراطور ـ وهو يشكل جاذبية شديدة بالنسبة للفقراء والمهمشين.

ولعل ذلك يفسر العداوة التي يكنها بعض الشعوبيين من جناح اليمين للأنظمة الملكية. على سبيل المثال، ندَّد الزعيم الشعوبي الهولندي خيرت فيلدرز بالملكة بياتريكس في العديد من المناسبات بوصفها يسارية، ونخبوية، ومناصرة للتعددية الثقافية. وشأنه كشأن أتباع الموجة الجديدة من الشعوبيين في مختلف أنحاء العالم، يَعِد فيلدرز بإعادة بلده إلى أتباعه، ووقف الهجرة (وخاصة من المسلمين)، وجعل هولندا هولندية مرة أخرى، أياً كان ما يعنيه ذلك.

والواقع أن بياتريكس، شأنها في ذلك كشأن فرانز جوزيف، ترفض التمييز على أساس عرقي أو ديني بين رعاياها. وهذا هو ما تقصده عندما تدعو إلى التسامح والتفاهم المتبادل. وفي نظر فيلدرز وأنصاره، فإن هذا يشكل دليلاً على تدليلها للأجانب، واسترضاء المسلمين. وهم يرون أن الملكة تكاد تكون معادية لهولندا.

Fake news or real views Learn More

لا شك أن أصول الأسرة المالكة الهولندية، مثلها في ذلك كمثل كل العائلات الملكية الأوروبية، مختلطة. والواقع أن بروز الملوك والملكات باعتبارهم رموزاً وطنية كان تطوراً تاريخياً حديثاً نسبيا. ذلك أن الإمبراطوريات تضم العديد من الأمم. فالملكة فيكتوريا، ذات الدماء الألمانية الغالبة، لم تكن تنظر إلى نفسها باعتبارها ملكة للبريطانيين وحدهم، بل وأيضاً الهنود والماليزيين، وأبناء شعوب أخرى كثيرة.

الحق أن هذا التقليد الأرستقراطي المتمثل في الترفع عن القيود الضيقة للقومية العرقية قد يشكل الحجة الأمثل للتمسك بالملكية لفترة أطول قليلا. والآن بعد أن أصبحت العديد من الدول الأوروبية مختلطة على نحو متزايد من حيث العرق والثقافة، فإن السبيل الوحيد إلى الأمام يتلخص في أن يتعلم كل منا كيف يتعايش مع الآخر. وإذا كان بوسع الملوك أن يعلموا رعاياهم هذه الفضيلة، فهذا في حد ذاته سبب وجيه للتهليل للبقية المتبقية من الملوك والملكات.