Wednesday, April 23, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

كل شيء هادئ على جبهة بوروندي

بوروندي، مثلها مثل جارتيها الكونغو ورواندا، دولة مزقتها الحرب. وربما لم تلفِت الاضطرابات والقلاقل التي تجري هناك انتباه العالم في الأعوام الأخيرة لأن متمردي بوروندي قد فشلوا في بلوغ تلك الدرجة من الوحشية التي شهدناها في الكونغو ورواندا. ولكن على عكس جارتيها، فإن هذا العام من الممكن أن يسجل نقطة تحول بالنسبة لبوروندي. فبفضل الاتفاقيات التي تمت بين المتمردين والحكومة، والتي ساعد نيلسون مانديلا ويعقوب زوما نائب رئيس جنوب أفريقيا في الوساطة من أجل إتمامها، تستطيع بوروندي الآن إما أن تتحول بعيداً عن النزاع الأهلي أو تخاطر بالعودة إلى سياسة المنجل التي ضربت إقليم البحيرات العظمى بإفريقيا طيلة عقد من الزمان.

عانت بوروندي من خمسة حروب أهلية ترقى في حدتها وعنفها إلى الحرب الأهلية الحالية، وذلك منذ استقلالها عن بلجيكا في عام 1962. ولقد قتل نحو ستمائة ألف وتحول مئات الآلاف من مواطنيها إلى لاجئين من جراء تلك الحروب.

ويعزو الكثيرون السبب وراء هذه الحرب إلى الكراهية القائمة بين الأغلبية من قبيلة الهوتو والأقلية من قبيلة التوتسي. ولكن هذا لا يفسر السبب الذي دعا إلى نشوء تلك الكراهية الشديدة بين هاتين المجموعتين. إن التجانس الثقافي في بوروندي، والذي نادراً ما يوجد في أفريقيا، يُكذّب وجهة النظر التبسيطية التي تقول إن الكراهية بين الهوتو والتوتسي سببها الاختلاف الكبير بينهما.

في الواقع، فإن معظم الدول أقل تجانساً من بوروندي إلى حد بعيد، لكنها لم تسقط قط في منزلق الحرب العرقية. ولكي نفهم النواميس الخاصة بالقوى المحركة للنزاع في بوروندي، فلابد وأن ندرس ثلاثة أسباب جوهرية.

السبب الأول هو الإرث الذي خلفه الاستعمار. ففي عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين انتهجت بلجيكا سياسات استهدفت تحديد العناصر السكانية على أساس عرقي، وميزت التوتسي في محاولة متعمدة وناجحة لنثر بذور الفرقة في المجتمع وتهييج مشاعر الاستياء بين زعماء الهوتو.

والسبب الثاني كان ثورة 1959 الدموية في رواندا، البلد الذي يعكس البنية العرقية والثقافية لبوروندي. فقد حثت تلك الثورة التوتسي على المزيد من التشبث بالسلطة. وفي ذات الحين، فقد نظر الهوتو في بوروندي إلى رواندا باعتبارها نموذجاً يحتذى به، وآمنوا بأن أغلبيتهم العرقية لابد وأن تضمن لهم السيطرة الفعلية على البلاد.

والسبب الثالث أن الحكومات المتعاقبة عملت على توسيع هوة التقسيم العرقي من خلال حكم وحشي إلى حد مأساوي. فقد فرضت نخبة ضئيلة من التوتسي من إقليم بوروري الجنوبي سيطرتها على كافة مقاليد الحكم ومؤسساته وعمدت إلى استغلالها إلى أقصى الحدود. وقام الجيش بقمع أي معارضة للحكم البوروري بشكل وحشي. ولا عجب إذن أن يشعر الملايين من البورونديين بأنهم منبوذون، وأن يلجأ الكثيرون منهم إلى العنف.

في أكتوبر من عام 1993 أدى مقتل ملكيور نداداي على أيدي أفراد من الجيش ـ وهو أول رئيس مدني من الهوتو وليس من البوروري منتخب بشكل ديمقراطي ـ أدى إلى استفزاز ردود فعل دموية من جانب الهوتو. إن اغتيال رئيس دولة ما لا يؤدي بالضرورة إلى حرب أهلية، ولكن في بوروندي فقد وقعت مذبحة واسعة النطاق للمدنيين من التوتسي على يد الهوتو عقب محاولة الانقلاب مباشرة.

وخوفاً من التعرض لعمليات ثأرية من قِبَل الجيش الذي يسيطر عليه التوتسي، فقد فرت أعداد ضخمة من الهوتو إلى خارج البلاد، بينما انخرط المتمردون المسلحون في صفوف الجيش. وللمرة الأولى فشل الجيش في سحق التمرد. وكنتيجة لهذا فقد لجأت الحكومة التي تسيطر عليها عناصر من التوتسي إلى التفاوض مع زعماء الهوتو، مما أدى إلى توقيع اتفاقية سياسية في أغسطس من عام 2000.

ولكن كان يشوب تلك الاتفاقية خلل كبير: ألا وهو عدم الاتفاق على وقف لإطلاق النار. ولم تتراجع أعمال العنف إلا في عام 2003 حين توصلت المجموعة الرئيسية من المتمردين، وهي جبهة الدفاع عن الديمقراطية، إلى اتفاقية سياسية عسكرية مع الحكومة. والآن تنحصر المنطقة غير الآمنة في الجهات المحيطة بالعاصمة بوجومبورا حيث ما زالت مجموعة ضئيلة من المتطرفين، تطلق على نفسها "جبهة التحرير الوطنية"، تواصل القتال. وهناك مؤشرات قوية تؤكد أن حتى تلك المجموعة تسعى إلى التسوية.

لقد كان للوساطة المخلصة التي قام بها مانديلا وزوما الفضل في التوصل إلى هذه النجاحات الكبرى. كما كان للجهود التي بذلها رئيس أوغندا ورئيس تنزانيا والمجتمع الدولي بصفة عامة أثر فعال. (بوروندي دولة تعتمد على المعونات الخارجية، لذا فإن الجهات المانحة تتمتع بثقل جدير بالاعتبار في التأثير على سلوك حكامها).

والمسألة الآن هي هل يحترم كل طرف تعهداته. ما الضمانات المتاحة التي تقوم جماعات المتمردين بموجبها بتسريح قواتها؟ وما الذي يدفع المتمردين إلى أن يصدقوا أن الحكومة ستستمر في احترام تعهداتها نحوهم بعد أن ألا يصبحوا مصدر تهديد لها؟ يبدو أن أي من الطرفين لا يستطيع الالتزام بالسلام بشكل جدير بالثقة.

يتعين على الجهات التي تمنح بوروندي المساعدات أن تضم جهودها إلى جهود الزعماء الإفريقيين للتأكد من تنفيذ الاتفاقيات. ويتفق الجميع على أن التعهد الأخير من قبل الجهات المانحة بتقديم بليون دولار في هيئة معونات يعد إشارة إلى أن الجهات المانحة على استعداد لكي تؤكد لأهل بوروندي أن للسلام أرباحاً جانبية. ولكن المعونات لن تساعد على ترسيخ السلام إلا إذا تم استخدامها بحرص. ولابد من توزيعها على المحتاجين دون محاباة للنخبة ـ وهو ما حدث في الماضي.

ولكن من الخطير أن ينصرف العمل إلى إصلاح أخطاء الماضي على حساب المستفيدين التقليديين، وخاصة لأنهم ما زالوا من القوة بحيث يستطيعون تعطيل مسيرة السلام. وإنه لأمر مشجع أن نلاحظ نجاح زعماء بوروندي حتى الآن في دمج زعماء من المعارضة وجماعات المتمردين في مؤسسات الدولة السياسية والعسكرية بدون إقصاء أصحاب المناصب القيادية من مناصبهم.

يكمن الخطر هنا في أن المبالغة في تطبيق هذا الأسلوب سوف تؤدي حتماً إلى إيجاد جيش منتفخ مريض وخدمات مدنية سقيمة. ومع أن تقليص حجم الحكومة يتماشى مع الاتجاهات الحديثة في الغرب، إلا أن الوقت الحالي ليس الوقت المناسب لتقليص حجم القطاع الحكومي في بوروندي. فإن تضخم العمالة له مبرراته السياسية هذه المرة.

لابد أن يدرك المجتمع الدولي أن الفوائد السياسية التي قد تجنى بعدم إبعاد النخبة القديمة وفي ذات الوقت تقديم الفرص الجديدة للجماعات التي جرت العادة على استبعادها، تفوق ما سيتكلفه ذلك من تمويل. ولسوف تحتاج بوروندي إلى المزيد من المساعدات الجادة من مانحيها من أجل تحويل هذه المقدمات السياسية إلى سلام دائم.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured