diwan14_KENZO TRIBOUILLARDAFPGetty Images_algeriangirlprotest Kenzo Tribouillard/AFP/Getty Images

الفرصة الثانية للربيع العربي

نيويورك- لقد أدت الاحتجاجات الواسعة في الجزائر والسودان مؤخرا الى الاطاحة باثنين من المستبدين الطاعنين بالسن بعد 20 و 30 عاما على التوالي من الحكم المطلق وفي كلا البلدين هناك مفاوضات تجري حاليا بين المتمردين والجيش الذي يدير فعليا العملية الانتقالية لنظام سياسي جديد . ان نتيجة صراع القوى هذا سيساعد في تحديد ما اذا كانت الجزائر والسودان ستصبحان أكثر ديمقراطية ورخاء او عوضا عن ذلك ستشكلان اضافة الى سلسلة تمتد لعقد من الزمان من الامال الضائعة في المنطقة.

يبدو ان المتظاهرين مدركين تماما لمخاطر "الفخ المصري" حيث ينتهي المطاف بجنرال كان من المفترض ان يتولى مسؤولية حكومة انتقالية ليصبح رئيسا مدى الحياة . ان الجنرال المصري والذي اصبح رئيسا عبد الفتاح السيسي يأمل ان يفعل ذلك بالضبط من خلال التعديل الدستوري الذي قد يبقيه بالحكم حتى سنة 2030 على اقل تقدير .

ان التنازل عن الكثير من السلطة للجيش لن يضر بالامال الديمقراطية للمحتجين الجزائريين والسودانيين فحسب بل سيزيد كذلك من خطر ان يستمر الجنرالات بالاستيلاء على حصة مفرطة من الموارد العامة الشحيحة مع احباط اي محاولات لتنفيذ الاصلاحات الاقتصادية العاجلة .

ان ارث الماضي سيؤثر بشكل كبير على المستقبل فلقد انتعش كلا البلدين بسبب طفرة النفط في الفترة التي تلت سنة 2000 والتي عززت من قبضة تلك الانظمة التي اصابتها الشيخوخة على السلطة . لقد فشل الطرفان في استخدام الايرادات النفطية كرافعة للتنمية الاقتصادية وعوضا عن ذلك اعتمد قادة البلدين على المحسوبية والقمع حيث إحتفظوا بحصة الاسد من النفقات العامة لقاعدتهما السياسية وبناء قوات امنية ضخمة للحماية من التمرد.

بينما ساعدت الطفرة النفطية الحكومتين الجزائرية والسودانية على توسيع جيوشهما ،ترددت الحكومتان في خفض الانفاق عند حصول الافلاس لاحقا وطبقا لمعهد ستوكهولم الدولي لابحاث السلام فإن الانفاق العسكري في كلا البلدين ( كجزء من اجمالي الانفاق الحكومي) كان يعتبر من اعلى النسب في العالم سنة 2017 حيث لم يكن ينافسهما في هذا الخصوص سوى السعودية وايران . ان هذا الانفاق العسكري المفرط عرض للخطر الاستقرار الاقتصادي الكلي كما أدى الى تحميل الشعب حصة غير متناسبة من عبء الضبط المالي.

ان انفصال جنوب السودان سنة 2011 ادى الى هبوط دراماتيكي في الايرادات النفطية وذلك من ما يعادل 16% من الناتج المحلي الاجمالي سنة 2007 الى اقل من 1% سنة 2017 ومع شح التمويل الخارجي اضطر السودان الى ضبط النفقات بشكل كبير . لقد خفضت الحكومة الانفاق العام خلال نفس الفترة والتي امتدت لعشر سنوات من 21% من الناتج المحلي الاجمالي الى 10% وتم تخفيض الدعم والخدمات الاجتماعية بشكل حاد مما ادى الى غضب شعبي وعلى النقيض من ذلك فإن حصة العسكر من الانفاق الاجمالي ارتفعت من 21% سنة 2007 الى 31% على اقل تقدير بحلول سنة 2017 عندما انهار الانفاق الحكومي.

Subscribe now
ps subscription image no tote bag no discount

Subscribe now

Get unlimited access to OnPoint, the Big Picture, and the entire PS archive of more than 14,000 commentaries, plus our annual magazine, for less than $2 a week.

SUBSCRIBE

لقد تعرضت الجزائر للصدمة لاحقا وذلك عندما هبطت اسعار النفط سنة 2014 ونتيجة لذلك انخفضت الايرادات النفطية للبلاد بمقدار النصف بين سنة 2007 و 2017 . لقد مولت الحكومة لغاية الان العجز المالي الضخم ( يساوي 9% من الناتج المحلي الاجمالي سنة 2017) من الاحتياطات المتراكمة ولكن هذا لا يمكن ان يستمر لفترة طويلة وفي الوقت نفسه ارتفع الانفاق العسكري من حوالي 9% الى 16% من اجمالي الانفاق الحكومي بين سنتي 2007 و 2017 مما جعل الجيش الجزائري ثاني اكبر جيش في افريقيا ( بعد الجيش المصري) ومع الزيادة الحادة في الانفاق الحكومي نفسه خلال الفترة نفسها تضاعفت ميزانية الدفاع الجزائرية والان تعادل حوالي ثلث الايرادات النفطية بالبلاد .

سيسعى الجيش في البلدين لحماية مصالحه الاقتصادية والتي اصبحت في خطر الان ولكن تسريع النمو لن يحتاج لتحقيق الاستقرار بالاقتصاد الكلي فحسب بل ايضا لزيادة نقل السلطات وهذا يتضمن المزيد من التنافسية لضخ الديناميكية في الاسواق والمزيد من اللامركزية لتحسين تقديم الخدمات العامة بالاضافة الى استقلالية النظام قضائي ووسائل الاعلام وهذا كله لن يتحقق من خلال الانظمة العسكرية والتي عادة ما تتجه الى احتكار عملية اتخاذ القرار الاقتصادي والسياسي وذلك خوفا من ان تفقد قبضتها الهشة على السلطة .

ان "جمهورية مصر العسكرية " تعتبر مثالا لتلك المخاطر وعلى الرغم ان معهد ستوكهولم الدولي لابحاث السلام يقدر ان القوات المسلحة المصرية تمثل 4،6% فقط من الانفاق الحكومي ، الا ان شبكة الجيش العريضة من الشركات تجعل الجيش اللاعب الاقتصادي الاكبر في البلاد علما ان ميزانية الجيش لا تخضع للتدقيق او الضرائب وهناك قانون صدر مؤخرا يحمي افراد الجيش من الخضوع لسلطة المحاكم المدنية.

لكن بينما عمل السيسي على تهميش المحاكم ونقابات العمال والصحافة المستقلة ،إلا أنه لم يستطع سحق المعارضة في مصر مما ادى الى تصاعد التطرف والعنف ومع زيادة المخاطر السياسية كانت الاستثمارات الخاصة تشكل 6% فقط من الناتج المحلي الاجمالي طبقا للبنك الدولي وهي اقل نسبة منذ سنة 1970 ومن اجل تعويض النمو المنخفض ،اعتمد السيسي على الدعم والتأثير السعودي المثير للجدل .

أما في تونس على النقيض من ذلك فلقد ازادات الحرية وتحسن الامن وبدأ الاقتصاد بالانتعاش وعلى الرغم من التنافس المفرط في النظام السياسي التونسي والوضع الفوضوي للاقتصاد الكلي ، الا ان الاستثمارات الخاصة ارتفعت الى 18% من الناتج المحلي الاجمالي بعد هبوطها لتصل الى 13،1% سنة 2013.

ان لدى المحتجين بالجزائر والسودان اوراق ضغط قوية وحتى الان يحاول العسكر تقييم المزاج الشعبي مع احتفاظ الشارع بسلطة الفيتو ولو تمكنت الاحتجاجات بالبلدين من الاحتفاظ بزخمهما ، فإنه سيتوجب على الجيشين عمل تنازلات .

ان هذه اللعبة ليست لعبة يجب ان تنتهي بفائز واحد فقادة الجيش والمتظاهرون يتفقون على الحاجة لتخفيض الاعداد الكبيرة من افراد الشرطة والميليشيات شبة القانونية واجهزة الامن السرية المتعجرفة والحرس الوطني الذي يتلقى اجورا اكثر من ما يستحقه فعلا علما ان كل تلك الجهات زادت وانتشرت تحت ظل النظام السابق الذي كان يعتمد على الايرادات النفطية . ان خفض حجم ونفوذ تلك المجموعات سيمكن العسكر من ان يصبحوا الوصي الوحيد على الأمن الوطني.

يبدو أن المتظاهرين الجزائريين والسودانيين قد تعلموا دروسا قاسية من الربيع العربي وحتى الان اظهروا التزاما لا يتزعزع بتخفيض دور جيوشهما في الحكم . ان الاسابيع القليلة القادمة ستثبت ما اذا كانوا قادرين على انتزاع ما يكفي من السلطة من الجنرالات للبدء في بناء مستقبل أكثر أملا.

http://prosyn.org/maTplqs/ar;
  1. haass102_ATTAKENAREAFPGettyImages_iranianleaderimagebehindmissiles Atta Kenare/AFP/Getty Images

    Taking on Tehran

    Richard N. Haass

    Forty years after the revolution that ousted the Shah, Iran’s unique political-religious system and government appears strong enough to withstand US pressure and to ride out the country's current economic difficulties. So how should the US minimize the risks to the region posed by the regime?

Cookies and Privacy

We use cookies to improve your experience on our website. To find out more, read our updated cookie policy and privacy policy.