9

التعافي ليس حلا

كمبريدج ــ في وقت سابق من هذا العام، أجمعت الآراء بين أهل الاقتصاد على أن الولايات المتحدة سوف تتفوق على منافسيها بين الاقتصادات المتقدمة. وسوف تكون طفرة النمو المتوقعة في الولايات المتحدة مدفوعة بحزمة التحفيز الاقتصادي الموصوفة في حملة الرئيس دونالد ترمب الانتخابية. ولكن الأنباء الاقتصادية الإيجابية الأكثر بروزا في عام 2017 بين الدول المتقدمة كانت آتية من أوروبا.

في الأسبوع الفائت، قام صندوق النقد الدولي بتعديل توقعاته الخاصة بالنمو صعودا لمنطقة اليورو، مع نظرة أكثر إيجابية تمتد على نطاق واسع عبر الدول الأعضاء وتشمل الأربعة الكبار: ألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وأسبانيا. وأطلق كبير خبراء الاقتصاد لدى صندوق النقد الدولي موريس أوبستفيلد على التطورات الأخيرة في الاقتصاد العالَمي وصف "التعافي المكين". ومن المتوقع أيضا أن يستعيد النمو قوته في الاقتصادات المتقدمة في آسيا، بما في ذلك اليابان.

كما ذكرت في تعليق سابق، كانت أيسلندا، حيث ترجع الأزمة المالية إلى عام 2007، تتعامل بالفعل مع موجة جديدة من تدفقات رؤوس الأموال إلى الداخل لبعض الوقت، الأمر الذي أدى إلى نشوء المخاوف بشأن احتمالات فرط النشاط. وقبل بضعة أيام، تمكنت اليونان، وهي أكثر دول أوروبا معاناة من الأزمة، من الاستفادة من الأسواق المالية العالمية للمرة الأولى منذ سنوات. فمع عائد يتجاوز 4.6%، تهافت المستثمرون المؤسسيون بكل حماس على شراء السندات اليونانية.

وأشاد المسؤولون اليونانيون والأوروبيون بمبيعات السندات باعتبارها حدثا بالغ الأهمية لبلد خسر القدرة على الوصول إلى أسواق رأس المال منذ عام 2010. وقال رئيس الوزراء اليوناني أليكسيس تسيبراس إن إصدارات الدين تُعَد علامة تؤكد أن بلده أصبح على المسار المؤدي إلى نهاية قاطعة لأزمته المطولة.

وفي الولايات المتحدة، يضيف خروج مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي من السياسة النقدية المفرطة في التساهل التي انتهجها بعد الأزمة إلى الشعور بعودة الأوقات الطبيعية بين المشاركين في السوق وصناع السياسات في الدول الأخرى.

ولكن هل تعود الأوقات الطبيعية حقا؟ وهل تعني التطورات الإيجابية الأخيرة في الدول المتقدمة، التي كانت في مركز الأزمة المالية العالمية في عام 2008، أن العواقب الوحشية التي ترتبت على الأزمة انتهت أخيرا؟

على الرغم من الأخبار السارة، فإن إعلان النصر في هذه المرحلة (حتى بعد مرور عشر سنوات) يبدو سابقا لأوانه. فالتعافي ليس الحل في حد ذاته. وربما يكون من المفيد أن نتذكر أن التعافي الاقتصادي في فترات مطولة أخرى بعد الأزمات، بما في ذلك أزمة الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن العشرين، عادة ما يكون ضحلا ويصعب استمراره من دون حل للمشاكل الأساسية المتمثلة في الاستدانة المفرطة والبنوك الضعيفة.

خلال "العقد الضائع" من أزمة الديون في أميركا اللاتينية في ثمانينيات القرن العشرين، شهدت البرازيل والمكسيك انتعاشا كبيرا وواعدا للنمو في الفترة 1984-1985 ــ قبل أن تتسبب مشاكل خطيرة في القطاع المصرفي، وأعباء الدين الخارجي التي لم تحل، والعديد من مبادرات السياسات المحلية غير المدروسة، في اختصار فترات التعافي تلك. ولم يتبدد إرث ما بعد الأزمة إلا بعد سنوات عديدة مع استعادة الاستدامة المالية، وشطب الديون في إطار خطة برادي، فضلا عن مجموعة متنوعة من الإصلاحات البنيوية المحلية.

منذ أزمتها المصرفية في عام 1992، ظلت اليابان تعاني من العديد من البدايات الخاطئة. فقد حدث التعافي في الفترة 1995-1996، ثم في عام 2000، ومرة أخرى في عام 2010؛ ولكن في كل مرة كان التعافي يميل إلى التلاشي قبل الأوان بسبب الفشل في شطب الديون المعدومة (أو ما يسمى القروض الحية الميتة)، فضلا عن العديد من القرارات العكسية غير الناضجة، والتراكم المتزايد غير المستدام من الديون الحكومية.

وخرجت منطقة اليورو من الأزمة المالية في الفترة 2008-2009 وقد استجمعت بعض الزخم الاقتصادي. ولكن على عكس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة في أوائل عام 2011، مما ساهم في انزلاق المنطقة إلى أزمة أشد عمقا.

وعلى هذا، يوصينا التاريخ بالحذر قبل أن نستنتج أن التعافي الحالي ينطوي على عناصر التنوع الأكثر استدامة والأعرض قاعدة. فلا تزال مشاكل اقتصادية عديدة خلقتها الأزمة أو أدت إلى تفاقهما بلا حل.

الواقع أن كل الاقتصادات المتقدمة تعاني (بدرجات متفاوتة) من إرث الديون الضخمة (عامة وخاصة) الناجمة عن التجاوزات التي مهدت الساحة لاندلاع الأزمة المالية، وأيضا الأثر الطويل الأمد الذي خلفته الأزمة على الاقتصاد الحقيقي. وقد خففت أسعار الفائدة المنخفضة من عبء تلك الديون (في واقع الأمر، تُعَد أسعار الفائدة السلبية ضريبة على حاملي السندات)، ولكن أسعار الفائدة تتجه الآن نحو الارتفاع.

وقد بلغ الاستقطاب السياسي في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة مستويات تاريخية من الارتفاع أو اقترب منها، تبعا للمقياس المستخدم. ونتيجة لهذا، لا تزال العديد من السياسات الحساسة سياسيا التي انتُهِجَت لضمان الاستدامة المالية في المستقبل دون حل في كل من الدولتين.

ويُعَد انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي ــ والتأثير الذي سيخلفه الخروج على الاقتصاد البريطاني في الأمد المتوسط ــ مصدرا آخر للمخاطر التي لم نر أحدا يتصدى لها بعد. كما لم يتحدد بعد كيف قد تتمكن اليابان من حل أعباء ديونها العامة والخاصة. وقد زعمت في مكان آخر أن التضخم من المرجح أن يكون جزءا من الحل في اليابان، إذ أنه من غير المحتمل أن يصوت السكان المتقدمون في السن لصالح زيادة العبء الضريبي وخفض الفوائد التي يحصلون عليها بالقدر الكافي لوضع ديون اليابان على مسار مستدام.

وفي أوروبا، يظل المستوى المرتفع للقروض المتعثرة يمثل عائقا للنمو الاقتصادي، من خلال تثبيط جهود خلق ائتمان جديد. وعلاوة على ذلك، تمثل هذه الأصول الرديئة عائقا محتملا كبيرا لبعض الحكومات. وقد نشأ "تارجت 2" (نظام التسوية الإجمالية اللحظي باليورو، الذي نشأ بوصفه آلية منطقة اليورو لتمويل الفجوات البنيوية المتزايدة الاتساع في ميزان المدفوعات، والتي بموجبها تتدفق رؤوس الأموال خروجا من جنوب أوروبا إلى ألمانيا. وفي اليونان، وإيطاليا، والبرتغال، وأسبانيا، لابد أن يشمل دين القطاع العام الآن ديون البنك المركزي المتزايدة الارتفاع أيضا.

لعل الدرس الأساسي هنا هو أننا في احتياج إلى المزيد من الحذر في اتخاذ القرار بشأن ما إذا كان الآن الوقت المناسب لتطبيع السياسة النقدية. فحتى في ظل أفضل سيناريوهات التعافي، من غير المستصوب أن يؤجل صناع السياسات الإصلاحات البنيوية والتدابير المالية اللازمة للتخفيف من حدة المخاطر.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali