42

السياسة المذمومة ضد الاقتصاد الميمون

نيويورك ــ يبدو أن العلاقة بين السياسة والاقتصاد تتغير. فالآن يخوض الساسة في الدول المتقدمة صراعات غريبة، وبغيضة وسامّة غالبا، بدلا من البناء على الإجماع الاقتصادي المتنامي حول كيفية الإفلات من فترة مطولة من النمو البطيء المتفاوت. ولابد من عكس هذا الاتجاه قبل أن يتسبب في إصابة العالَم المتقدم بالشلل هيكليا ويكتسح الاقتصادات الناشئة أيضا.

من الواضح أن المواجهات السياسية العنيفة ليست بالأمر الجديد. ولكن حتى وقت قريب، كان بوسعنا أن نتوقع من القادة السياسيين أن ينصتوا عندما يتوصل المشتغلون بمهنة الاقتصاد إلى إجماع تكنوقراطي على نهج بعينه في التعامل مع السياسة العامة. وحتى عندما كانت الأحزاب السياسية الأكثر تطرفا تحاول الدفع بأجندة مختلفة، كانت قوى عاتية ــ سواء الضغط الأخلاقي من قِبَل حكومات مجموعة الدول السبع، أو أسواق رأس المال الخاصة، أو الشروط التي ترتبط بقروض صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ــ تضمن دائما تقريبا فوز النهج القائم على الإقناع في نهاية المطاف.

في تسعينيات القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان ما يسمى إجماع واشنطن يهيمن على عملية صُنع السياسات في قسم كبير من العالَم، وكان الجميع من الولايات المتحدة إلى عدد كبير من الاقتصادات الناشئة يلاحقون خطط تحرير التجارة، والخصخصة، وزيادة استخدام آليات الأسعار، ورفع القيود المفروضة على القطاع المالي، والإصلاحات المالية والنقدية مع التركيز بقوة على جانب العرض. وعمل احتضان إجماع واشنطن من قِبَل مؤسسات متعددة الأطراف على تضخيم انتقاله وإنفاذه، الأمر الذي ساعد في دفع العملية الأكبر المتمثلة في العولمة الاقتصادية والمالية إلى الأمام.

كانت الحكومات الجديدة ــ وخاصة تلك التي تقودها حركات غير تقليدية ارتفعت إلى السلطة ممتطية موجات من عدم الارتياح والإحباط في الداخل إزاء الأحزاب الرئيسية ــ تُبدي في بعض الأحيان رأيا مختلفا بشأن مدى ملاءمة وأهمية إجماع واشنطن. ولكن كما أوضح الرئيس البرازيلي لويز إيناسيو لولا دا سيلفا، من خلال محور سياساته الشهير في عام 2002، كانت الغَلَبة لذلك الإجماع إلى حد كبير. واستمر في بسط سيطرته إلى ما قبل عامين تقريبا، عندما سلك رئيس الوزراء اليوناني أليكسيس تسيبراس منعطفا على نفس القدر من البروز إلى الخلف.