0

القتلة الغافلون

كان الإنسان، باعتباره نوعاً من الكائنات، يعاني دوماً من مشكلة في التحكم في الذات. فنحن البشر منهمكون على نحو بالغ العدوانية في صيد الأسماك والحيوانات، وقطع الأخشاب، وزراعة المحاصيل في كل أنحاء العالم إلى الحد الذي أصبحنا معه وكأننا نطارد أنواع الكائنات الأخرى لإبعادها عن كوكبنا. إن رغبتنا الشديدة في استخلاص كل ما نستطيع استخلاصه من الطبيعة تجعلنا لا نترك لأشكال الحياة الأخرى غير القليل العزيز.

في العام 1992، حين وعدت حكومات العالم لأول مرة بالاهتمام بمشكلة الاحتباس الحراري الناتج عن تصرفات الإنسان، تعهدت أيضاً بمنع الأنشطة والممارسات التي تؤدي إلى انقراض الأنواع الأخرى. وكانت معاهدة التنوع البيولوجي التي أبرمت في قمة الأرض في ريو قد أكدت أن "التنوع الأحيائي يشكل هماً مشتركاً للإنسانية". ولقد اتفق الموقعين على المعاهدة على الحفاظ على التنوع الأحيائي، وذلك بإنقاذ الأنواع المهددة بخطر الانقراض وحماية المواطن التي تعيش فيها، واستغلال المصادر البيولوجية (الغابات على سبيل المثال) على النحو الذي يضمن لها القدرة على الاستمرار. وفي العام 2002 ذهب الموقعون على المعاهدة إلى ما هو أبعد من ذلك، فتعهدوا بتقليص المعدل الحالي لخسارة التنوع الأحيائي على نحو ملموس، وذلك بحلول العام 2010.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

ولكن مما يدعو للأسف أن معاهدة التنوع الأحيائي، مثلها في ذلك كمثل العديد من الاتفاقيات الدولية الأخرى، تظل مجهولة، وغير مدعومة، وغير منجزة إلى حد كبير. وهذا الإهمال يعكس مأساة إنسانية. ذلك أننا بإنفاق مبالغ ضئيلة للغاية من المال ـ بل وربما دون إنفاق أي مبالغ من المال ـ نستطيع أن نحافظ على الطبيعة وأن نحمي حياتنا ومصادر رزقنا. فنحن نقتل الأنواع الأخرى من الكائنات ليس لأننا لابد وأن نفعل ذلك، بل لأننا أشد إهمالاً وجهلاً من أن نتجنب ذلك.

ولنتأمل معاً اثنين من الأمثلة المخزية. بعض الدول الغنية، مثل أسبانيا والبرتغال وأستراليا ونيوزيلندا تمتلك أساطيل صيد أسماك تستخدم أسلوباً يسمى "مسح القاع". والسفن التي تصطاد الأسماك بهذه الطريقة تسحب خلفها شبكات صيد ثقيلة على قاع المحيط، فتدمر بذلك أنواعاً بحرية رائعة وغير مستكشفة ومهددة بخطر الانقراض. ففي أثناء هذه العملية نمزق ونفتت البيئات البحرية الفريدة المعقدة، وأشهرها البراكين المغمورة تحت سطح البحر والمعروفة بجبال البحر، وذلك لأن أسلوب مسح القاع يعتبر الطريقة "المنخفضة التكاليف" لصيد بضع أنواع من الكائنات البحرية التي تعيش في أعماق البحار. أحد هذه الأنواع، وهو سمك الروفي البرتقالي، لم يبدأ صيده تجارياً إلا منذ ما يقرب من الربع قرن، ومع ذلك فقد أصبح الآن على شفا الانقراض.

على نحو مماثل، وفي العديد من جهات العالم، تتعرض الغابات المدارية للاستئصال من أجل توفير أراضي الرعي وزراعة المحاصيل الغذائية. والنتيجة خسارة فادحة في البيئات النباتية والحيوانية وتدمير عدد كبير من الأنواع، وكل ذلك في مقابل فوائد اقتصادية ضئيلة بتكاليف اجتماعية هائلة. فبعد استئصال أي قسم من أشجار الغابات المطيرة، كثيراً ما تفقد التربة مخصباتها بسرعة، بحيث تصبح غير قابلة لزراعة المحاصيل أو الحشائش المغذية المستخدمة في الرعي. ونتيجة لهذا فسرعان ما تتحول الأراضي الزراعية أو أراضي الرعي الجديدة إلى مساحات قاحلة مهجورة، بلا أي احتمالات لعودة الغابة الأصلية إلى النمو واستضافة النظام البيئي الفريد الذي كانت تحتويه قبل استئصالها.

إن تكاليف هذه الأنشطة باهظة والفوائد المترتبة عليها ضئيلة، وهذا يعني أن منعها لن يكون بالأمر العسير. فلابد من تجريم أسلوب الصيد بمسح القاع؛ ولسوف يكون تعويض صناعة صيد الأسماك أثناء فترة انتقالية للتحول إلى أنشطة أخرى أمراً بسيطاً وغير مكلف. وربما كانت الوسيلة الأفضل لمنع استئصال الغابات استخدام الحوافز الاقتصادية، إلى جانب فرض بعض القيود التنظيمية. فالاكتفاء بتقييد ممارسات استئصال الغابات لن يكفي لتحقيق أي قدر من النجاح، وذلك لأن الأسر والتجمعات السكانية التي تعتمد على الزراعة سوف تجد إغراءات قوية في التملص من هذه القيود القانونية. وفي المقابل، من المرجح أن تنجح الحوافز المالية في تحقيق هذه الغاية، وذلك لأن قطع أشجار الغابات لتوفير مساحات من الأرض للرعي لا يدر من الربح ما يكفي لحض المزارعين على رفض الحوافز المالية في مقابل حماية الغابات.

في السنوات الأخيرة اتحد عدد كبير من البلدان التي تحتوي على غابات مطيرة في تقديم اقتراح بإنشاء صندوق للمحافظة على الغابات المطيرة بتمويل من الدول الغنية. ومن المفترض أن يستخدم هذا الصندوق في دفع مبالغ ضئيلة من المال لصغار المزارعين الفقراء في مقابل الحفاظ على الغابات. والحقيقة أن صندوقاً كهذا، إذا ما تم تصميمه بعناية، من شأنه أن يمنع أو يبطئ من عمليات إزالة الغابات، وأن يساهم في الحفاظ على التنوع الأحيائي، وأن يخفض من معدلات انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن حرق الغابات المستأصلة. وفي ذات الوقت سوف يتلقى صغار المزارعين مبالغ ثابتة من الدخل يمكنهم استخدامها في إنشاء استثمارات صغيرة لتحسين دخولهم الأسرية والإنفاق على تعليمهم وصحتهم.

إلى جانب حظر صيد الأسماك بأسلوب مسح القاع وإنشاء صندوق عالمي لمنع إزالة الغابات، يتعين علينا أن نؤسس شبكة عالمية من المناطق البحرية المحمية، التي يحظر فيها صيد الأسماك، أو استخدام الزوارق، أو التلويث، أو سحب رمال القاع، أو الحفر، أو ممارسة أي نشاط ضارٍ آخر. ومثل هذه المناطق لن تسمح بعودة الأنواع المهددة إلى التوالد والتكاثر من جديد فحسب، بل إن الفوائد البيئية المترتبة على وجود هذه المناطق سوف تنتشر إلى المناطق المجاورة غير المحمية.

نحن أيضاً في حاجة إلى الانخراط في عملية علمية منظمة لتقديم الدليل إلى العالم على انقراض الأنواع، تماماً كما أصبح لدينا اليوم مثل هذه العملية لإقامة الدليل على تغير المناخ. إن الساسة لا ينصتون إلى العلماء كأفراد، إلا أنهم سوف يرغمون على الإنصات حين يتكلم مئات العلماء بصوت واحد.

Fake news or real views Learn More

وأخيراً، يتعين على العالم أن يتوصل إلى إطار عمل جديد لإبطاء التغيرات المناخية الناجمة عن تصرفات الإنسان قبل حلول العام 2010. لا شك أن تغير المناخ يشكل واحداً من أعظم التهديدات التي تواجه قدرة الأنواع على البقاء. فمع ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض، ومع تغير أنماط سقوط الأمطار بصورة ملموسة، سوف تجد العديد من الأنواع أنفسها وقد أصبحت تعيش في مناطق مناخية غير قادرة على دعم بقائها. وقد تنجح بعض الأنواع في الهجرة، إلا أن أنواعاً أخرى (مثل الدب القطبي) سوف تساق إلى الانقراض على الأرجح ما لم نتخذ إجراءات حاسمة لمنع تغير المناخ.

الحقيقة أننا قادرون على تحقيق هذه الغاية قبل حلول العام 2010، وليس من العسير أن نتحمل تكاليف الإجراءات اللازمة. فضلاً عن ذلك فإن الفوائد المترتبة على ذلك سوف تكون هائلة في كل الأحوال. وإنه لمن المؤلم أن نتصور أن الإنسانية سوف تستمر في القضاء على الملايين من الأنواع ـ وتعريض مستقبل الإنسان ذاته للخطر ـ في نوبة من الغفلة.