0

التجارة عبر الأطلسي للجميع

واشنطن، العاصمة ــ كانت مفاوضات إنشاء شراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة نوضع ترحيب على نطاق واسع. وقد وصف رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون هذه الشراكة بأنها "جائزة لا تتكرر أكثر من مرة واحدة في كل جيل"، مستشهداً بالمكاسب المحتملة التي قد تبلغ 80 مليار جنيه استرليني (125.5 مليار دولار أميركي) لكل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، فضلاً عن 85 مليار جنيه استرليني لبقية العالم.

في عالم سئم من انتظار إتمام جولة الدوحة التي لا تنتهي من مفاوضات التجارة العالمية التابعة لمنظمة التجارة العالمية، فإن حتى أي مبادرة تجارية ثنائية تبدو وكأنها نعمة كبرى، وخاصة إذا كان تعبير "ثنائية" يغطي نصف اقتصاد العالم، كما أشارت افتتاحة الفاينانشال تايمز مؤخرا. ولكن الأمر لا يخلو من جانب سلبي خطير: وهو أن هذا الاتفاق قد يضر بالمصدرين في البلدان النامية، ما لم يبذل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة جهوداً متضافرة لحماية مصالح هؤلاء.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

والجانب الذي يثير القدر الأعظم من الانفعال في الاتفاق المقترح ــ تركيزه على الحواجز التنظيمية مثل المعايير الإلزامية للمنتجات ــ لابد أن يثير بالفعل أعظم القلق والانزعاج. نظراً للتعريفات المنخفضة في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ــ أقل من 5% في المتوسط ــ فإن المزيد من التخفيضات التفضيلية لن تعوق الأطراف الخارجية بشكل خطير. ولكن عندما يتعلق الأمر بالمعايير ــ مثل تلك التي تحكم السلامة والصحة والبيئة ــ فإن متطلبات الوصول إلى الأسواق وحشية وقاسية: فإما أن تلبي المعيار الثابت أو لا تتمكن من بيع منتجاتك.

ونتيجة لهذا فإن الخيارات المتاحة لشركات البلدان الثالثة سوف تتوقف على كيفية وضع معايير اتفاق شراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي: من خلال المواءمة (بتبني معيار مشترك) أو الاعتراف المتبادل (قبول السلع التي تلبي المعايير الثابتة بين الأطراف المختلفة). وسوف يمكن الخيار الأول المنتجين في كل مكان من الاستفادة من المعاملات التجارية الكبيرة الحجم. ولكن في بعض الحالات، قد يكون المعيار التوفيقي أكثر صرامة من المعايير الأصلية لبعض البلدان.

وبرغم أن المعايير الجديدة سوف تنطبق على الموردين من كل البلدان المصدرة، فإن تكاليف الالتزام تتفاوت عادة، أي أن أولئك الأقل تجهيزاً لتلبية معايير أعلى قد يعانون. في أواخر تسعينيات القرن العشرين، عندما قرر الاتحاد الأوروبي توفيق المعايير الخاصة بالأفلاتوكسينات (مجموعة من المركبات السامة التي تنتج بواسطة قوالب معينة)، قررت بعض البلدان الأعضاء ــ ثمانية بلدان بما في ذلك إيطاليا وهولندا وأسبانيا ــ رفع معاييرها الوطنية إلى حد كبير، والأرجح أن ذلك كان سبباً في بانخفاض الصادرات الأفريقية من الحبوب والفواكه المجففة والمكسرات إلى أوروبا بما يقدر بنحو 670 مليون دولار أميركي.

وفي ظل الاعتراف المتبادل، فسوف يتقبل كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة معايير الطرف الآخر أو إجراءات تقييم المطابقة، وهو ما من شأنه أن يسمح للشركات بالالتزام بمتطلبات أقل صرامة في كل مجال. وإذا امتدت هذه السياسة إلى شركات البلدان الثالثة، فإنها سوف تخلف تأثيراً محرراً قويا. على سبيل المثال، سوف يكون بوسع منتجي التلفزيون الماليزيين أن يختاروا الالتزام، ولنقل بمعايير السلامة الأميركية الأكثر تساهلا، ثم يبيعون نفس المنتج في السوقين، فيحصدون بذلك ثمار المعاملات الاقتصادية الضخمة في حين يخفضون تكاليف الالتزام.

وإذا استبعد اتفاق شراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي رغم ذلك شركات البلدان الثالثة من سياسة الاعتراف المتبادل، فإن قدراتها التنافسية في مواجهة الشركات الأوروبية والأميركية سوف تتضاءل بشكل كبير. ويُظهِر بحثنا أن التجارة البينية تتزايد عندما تتضمن اتفاقيات الاعتراف المتبادل قواعد صارمة خاصة بالمنشأ ــ على حساب التجارة مع بلدان أخرى ــ وأن البلدان النامية تكون هي الأكثر معاناة في هذه الحال.

الواقع أن قواعد المنشأ المفرطة في التقييد والصرامة تثير المشاكل لبعض اتفاقيات الاعتراف المتبادل السابقة في الاتحاد الأوروبي ــ كتلك التي تحكم معايير الخدمات المهنية. فبرغم أن البرتقالة البرازيلية المطروحة للبيع في البرتغال يمكن بيعها في مختلف بلدان الاتحاد الأوروبي، فإن المهندس أو المحاسب البرازيلي المرخص في البرتغال لابد أن يلبي متطلبات ترخيص منفصلة للعمل في أي مكان آخر من الاتحاد الأوروبي، وهو كفيل بتعويق قدر كبير من حرية انتقال العمالة المطلوبة بشدة من خلال إرغام العمال غير الأوروبيين على تحمل إجراءات بيروقراطية مكلفة وغير فعّالة.

وعلاوة على ذلك، فإن قواعد منظمة التجارة العالمية غير متساوية عندما يتعلق الأمر بالتعريفات والمعايير. فبرغم أنها تعمل على حماية البلدان المستبعدة من اتفاقيات التعريفة الثنائية أو الإقليمية، فتضمن بالتالي عدم حصول الأسواق المتكاملة على مزايا إضافية، فإن ضمانات حماية البلدان الثالثة من العواقب المترتبة على الاتفاقيات بشأن المعايير الإلزامية ضئيلة للغاية.

وحتى في غياب القواعد الدولية، فبوسع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أن يتخذا خطوتين لضمان عدم تأثير اتفاق شراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي بشكل سلبي على الاقتصادات النامية. فأولا، بوسعهما أن يسمحا لكل البلدان بجني الفوائد المترتبة على اتفاق الاعتراف المتبادل الثنائي من خلال الاتفاق على عدم فرض قواعد تقييدية في ما يتصل ببلد المنشأ. وثانيا، بوسعهما حيثما يفكران في التوفيق والمواءمة أن يفضلا الأقل صرامة بين المعايير الأصلية، ما لم يَثبُت بالدليل أن هذا الاختيار لن يدعم الهدف التنظيمي المعني. وهذا أشبه بالاختبار الذي تجريه منظمة التجارة العالمية للخروج من المعايير الدولية المعمول بها.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

إذا تعهد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بالالتزام بهاتين الخطوتين، فإن بقية بلدان العالم قد تتابع مفاوضات شراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي بقدر كبير من الأمل وليس الخوف.

ترجمة: مايسة كامل Translated by: Maysa Kamel