Monday, September 22, 2014
0

جامعة ييل ومرتكبي جرائم الجنس الآمن

نيويورك ـ في شهر أكتوبر/تشرين الأول من عام 2010 نَظَّم الأخوة الحاليون في أخوية دلتا كابا ابسيلون في جامعة ييل، والتي كان الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش أحد أعضائها، نظموا مسيرة العام الأول داخل الحرم الجامعي وهم ينشدون: "لا تعني نعم! ونعم تعني الجنس الشرجي!". ولقد رفعوا لافتات كتب عليها "نحن نحب عاهرات ييل".

وآنذاك رأى ستة عشر من طلاب الكليات والدراسات العليا، من الذكور والإناث، أن إدارة الجامعة لم تفعل إلا أقل القليل لمقاومة مثل هذه التعديات على حقوق الطالبات في بيئة تعلم عادلة وغير مهددة. وفي شهر مارس/آذار أقاموا دعوى قضائية فيدرالية ضد جامعة ييل، زاعمين أن فشلها في التعامل مع حالات التحرش الجنسي والاعتداء الجنسي تسبب في خلق "بيئة عدائية".

ولم تتوقف الدعوى القضائية عند حادثة دلتا كابا ابسيلون. فقد ذكرت الدعوى أن طالبات الفرقة الأولى يتم ترتيبهم طبقاً لجاذبيتهن الجنسية، والأخطر من ذلك أن جامعة ييل تقاعست عن الرد على تقارير عن اعتداءات جنسية أو محاولات اعتداء وملاحقة. ووفقاً للطالبة ألكسندرا برودسكي، وهي طالبة مستجدة في جامعة ييل وصاحبة واحدة من الشكاوى الستة عشر، فإن الطلاب يشعرون حقاً بالإحباط وخيبة الأمل إزاء فشل ييل مراراً وتكراراً في التصدي لجرائم التحرش والاعتداء  الجنسي العامة والخاصة، وهو ما يعمل على إدامة بيئة حيث تحولت مثل هذه الأفعال إلى تصرفات عادية، بل ومقبولة.

ولقد تزامنت شكوى الطلاب مع تحقيق فيدرالي أجراه مكتب الحقوق المدنية التابع لوزارة التعليم، الذي أعلن أنه سوف يراجع السياسات التي تنتهجها جامعة ييل في التعامل مع التحرش الجنسي والاعتداء الجنسي. وهذا ليس بالأمر البسيط: ذلك أن جامعة ييل وغيرها من الجامعات الأميركية تتلقى ملايين الدولارات من الحكومة الفيدرالية سنويا ـ وهي الأموال التي سوف تتعرض للخطر إذا تبين أن الجامعة تتسامح مع بيئة تعلم غير متكافئة.

في عام 2004 كتبت مقالاً في مجلة نيويورك عن تجربتي الشخصية في التعرض لانتهاك جنسي أثناء عامي الثالث من دراستي في جامعة ييل على يد أستاذ جامعي "مبجل" (لم يتم استنان قانون "للتحرش الجنسي" حتى الآن). كما كتبت عن تغطية جامعة ييل على العديد من الوقائع المماثلة لواقعتي. لذا فإن الدعوى التي أقامها الطلاب لم تأت كمفاجأة بالنسبة لي.

وفي سياق محاولتي في عام 2004 لرفع تقرير إلى الجامعة بما حدث لي في عام 1983، وجدت نفس النمط من مماطلة الضحايا والدفاع عن الجناة. والأسوأ من ذلك أنني اكتشفت أن الجامعة والمحامين التابعين لها يستخدمون "إجراءات التظلم" من التحرش الجنسي كمجرد ستار لحماية المؤسسة، والتغطية على المتحرشين، بل وحتى المغتصبين، بدلاً من الاستعانة بها كوسيلة للتحقيق في وقائع الاعتداء.

ولقد استمر هذا الوضع لعقدين كاملين من الزمان. وأثناء توجيهي لتقريري، سمعت المرأة تلو الأخرى تزعم أن نفس الأستاذ أو نفس الأخوية شاركت في حالات متعددة من الاعتداء الجنسي أو التحرش الجنسي. وكانت الضحية تلو الأخرى تناشدني على نحو ينفطر له الفؤاد: "ساعديني". ولكن لم يكن بوسعي أن أفعل أي شيء، وذلك لأن هؤلاء الضحايا اخترن عدم الكشف عن هوياتهن، ولأن الجامعة تعاملت مع كل حالة بقدر عظيم من التكتم والسرية. وكان الجناة المزعومون أحراراً يمارسون التعليم في جامعة جديدة ـ حيث يقع المزيد من النساء الشابات فريسة لهم (وفي بعض الحالات، الرجال الشباب).

وما يزيد من الافتقار إلى الشفافية سوءاً على سوء أن جامعة ييل توظف في الحرم الجامعي قوة شرطة خاصة بها، وتشجع الجامعة ضحايا الجرائم الجنسية على التقدم بالشكاوى إلى قوة الشرطة الجامعية هذه في حالة إصرارهن على التوثيق الرسمي. ولكن الضحايا لا يفهمن غالباً أن المقصود من هذا الإجراء احتواء فضائح محرجة محتملة، من خلال منع الواقعة من الوصول إلى القانون الحقيقي.

والواقع أنني اطلعت على تقارير تخص ما لا يقل عن ثلاثة اعتداءات جنسية مزعومة ارتكبها أعضاء في هيئة التدريس في العقد الماضي ـ اثنان من هذه الاعتداءات ارتكبها نفس الشخص مع امرأتين مختلفتين. ولقد علمت أن إحدى الطالبات أقامت في وقت أقرب إلى الزمن الحاضر دعوى قضائية ضد أحد أعضاء هيئة التدريس، الذي خدرها حسب زعمها باستخدام مادة الروهيبنول ثم اعتدى عليها. وأنا أعرف عن هذه الروايات، ولكنن لا أستطيع تقديم تقارير عنها، حتى في هذه اللحظة الحرجة من التحقيق الرسمي الذي طال انتظاره، وذلك بسبب بروتوكولات السرية.

والواقع أن هؤلاء النسوة يشعرن بأنهن وحيدات. فمثلها كمثل كل الجامعات الخاصة تقريباً في الولايات المتحدة، كانت جامعة ييل تعتمد على مبدأ "الخصوصية" للإبقاء على هذه الوقائع في طي الكتمان، وبهذا لا يعرف الطالبات (والطلاب) الجدد مَن مِن أعضاء هيئة التدريس أو الطلاب يشكل خطورة عليهن؛ وأي من الأخويات (الأسر) تُعَد موقعاً للتحرشات المتكررة أو ما هو أسوأ؛ ومتى يتعين عليهن (أو عليهم) أن يبقوا الباب مفتوحاً أثناء اجتماع بين الطالب والمعلم. وشأنها كشأن الكنيسة الكاثوليكية فإن الجامعات الخاصة مثل ييل قد تلجأ إلى تكليل الضحايا بالعار وعزلهم من أجل حرمانهم من حقوقهم وحماية الجناة.

إلا أنني أعتقد أن الضحايا أنفسهم يتحملون قدراً من المسؤولية. ذلك أن العادة المتبعة في تلقي شهادات ضحايا الجرائم الجنسية خلف الأبواب المغلقة، وظروف عدم الكشف عن الهوية أو السرية، لا تخدم إلا المؤسسات مثل الجامعات أو المؤسسة العسكرية، العازمة على التغطية على السلوكيات الإجرامية.

ولقد هاجمتني بعض الحركات النسائية لهذا الموقف، ولكن الأرقام تثبت صحة موقفي: فقبل ثلاثين عاما، كان ما يقرب من 30% من وقائع الاغتصاب المبلغ عنها في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة عن ملاحقات قضائية؛ أما اليوم، وبعد ثلاثة عقود من الإبلاغ عن جرائم الجنس بموجب قواعد السرية، فإن النسبة لا تتجاوز 12% في الولايات المتحدة، و6% في المملكة المتحدة.

ويرجع هذا إلى منع قاعدة السرية في الإبلاغ عن جرائم الجنس لوسائل الإعلام من تسليط الضوء على الجريمة، الأمر الذي يحول دون تراكم الذاكرة المؤسسية عن مرتكبي الاعتداءات المتكررة، كما يحول دون القدرة على التحقق مما إذا كانت محكمة ما، أو كلية أو منطقة شرطة، تقوم بواجبها أو لا تقوم به في التعامل مع هذه الحالات. ونتيجة لهذا، أصبح من الممكن كنس مثل هذه الجرائم تحت البساط ـ سواء في ييل أو في أي جامعة خاصة أخرى قمت بزيارتها في الولايات المتحدة (لا تتمتع الجامعات العامة بنفس القدر من الحرية في حجب البيانات الخاصة بالجرائم) ـ تحت ستار "حماية الضحايا".

الآن يتصل خريجو جامعة ييل بهؤلاء الطلاب الستة عشر لإبلاغهم برواياتهم الخاصة عن الاعتداءات والتحرشات الجنسية، التي تمتد على مدى عقدين من الزمان. ولكن لو كان هؤلاء قد تقدموا بما لديهم من معلومات علناً قبل أعوام، لكان من المرجح ألا تتمكن جامعة ييل من الاستمرار طيلة هذه المدة في حماية مرتكبي الجرائم الجنسية.

إن الطلاب على حق: فالبيئة المسيئة جنسياً تجعل من الصعب على الطلاب أن يدرسوا ويتعلموا. ولكن من الجدير بالضحايا ـ سواء كانوا من الطلاب الحاليين أو خريجين قدامى ـ أن يتشجعوا أو يتقدموا للكشف عن رواياتهم علنا. وآنذاك فقط سوف تصبح جامعة ييل وغيرها من المؤسسات مضطرة إلى الإقرار علناً بهذه المشكلة التي استمرت لأجيال.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured