4

لماذا نعمل في محل العمل؟

فوكيت ــ مؤخرا، تسببت ماريسا ماير، الرئيسة التنفيذية الجديدة لشركة ياهو!، في إحداث جلبة كبيرة بإصدار مرسوم يمنع أي شخص في الشركة من العمل من المنزل. وحظي هذا التغيير الهائل في أسلوب العمل من جانب ماير بتغطية صحفية كبيرة، وربما أكبر مما يستحق. وقد لا تكون هذه المبالغة مستغربة: فهي امرأة، وهي كما يشاع لديها دار حضانة تودعها طفلها بجانب مكتبها مباشرة. وفي المقام الأول من الأهمية، يبدو أن الناس يتفاعلون مع الطبيعة المطلقة لقرارها (لماذا الجميع؟) ومع المفارقة المتمثلة في كون ياهو! شركة تكنولوجية (ألا يعلمون بشيء اسمه "سكايب"؟).

أعتقد أن ماير اتخذت القرار الصحيح، وأنا لعلى يقين من أن الاستثناءات لقرارها سوف يُسمَح بها بمرور الوقت وفقاً لتقدير المديرين. ولكن حتى وقتنا هذا، فإن "حق" العمل من المنزل مقدساً في ياهو!، فكان حقاً لا يستطيع أن ينقضه أي مدير لأي موظف. وبكل المقاييس، فإن عدداً كافياً من الموظفين في ياهو! كانوا لا يعملون لا من المنزل ولا من مكان آخر أكثر تشويقا، حتى تحول الأمر إلى مشكلة خطيرة.

وبعيداً عن هذا فإن مرسوم ماير يصبح أكثر منطقية كوسيلة للتغيير الثقافي داخل شركة أكثر من كونه وسيلة لتحسين إنتاجية أي فرد بعينه. وعلى وجه التحديد، فلأن العمل عن بعد أسهل، فإن الميزة التي يتفوق بها محل العمل على مجموعة من العاملين من المنزل ــ أو مجموعة من العاملين المستعان بهم كمصادر خارجية ــ هي أن الناس قادرون على الإنجاز في بيئة توفر لهم ثقافة مشتركة والفائدة المتمثلة في الصلات العارضة.

قبل فترة طويلة، كانت ميزة الشركة تتلخص في أنها تخفض من تكاليف المعاملات (الفكرة التي أعرب عنها بوضوح لأول مرة الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل رونالد كواس)، مثل تكاليف إيجاد العاملين، وتكليفهم بالمهام المختلفة، وتقييم إنتاجيتهم، وتحديد رواتبهم. والآن بعد أن أصبحت تكاليف المعاملات منخفضة للغاية، فإن الميزة الأساسية في مزاولة العمل في محل العمل هي أن التفاعلات البدنية تعزز الثقافة التنظيمية وتشجع الإبداع، وليس الكفاءة أو الإنتاجية، ضمن روتين ثابت. وفي اعتقادي أن ماير لم تأمر موظفيها بالعودة إلى مكاتبهم لمجرد أن بعض الأشخاص كانوا في واقع الأمر لا يعملون من المنزل؛ بل لأن العديد من هؤلاء الذين كانوا يعملون بالفعل كانوا لا يعملون معا.

من المؤكد أن الأمر يبدو متناقضاً في نظر بعض الناس، ذلك أن ياهو!، الشركة التي تعمل عبر الإنترنت، تلزم العاملين لديها بالتواجد مادياً في مكاتب الشركة. ولكن يبدو أن أغلب الأموال والمواهب في هذه الصناعة تتركز مادياً في جزء واحد صغير من الولايات المتحدة، بين سان فرانسيسكو وسان خوسيه. وسواء كانت ياهو! كافيتيريا (التي أصبحت الآن أكثر جاذبية مع قدوم الغذاء المجاني)، أو قاعات التوصيل والتشغيل، فإن قرب المسافات يشكل أهمية. ذلك أن التواجد بدنيا يعني الاتصال المباشر مع عقول أخرى ذكية ومبدعة. والفوائد المترتبة على التواصل البشري والتفاعل هي السبب الذي يجعل مندوبي المبيعات حريصين على زيارة عملائهم بدلاً من استخدام سكايب، والذي يجعل شركة "ميت أب" (التي تدعم تنظيم اجتماعات وجهاً لوجه؛ وأنا ضمن مجلس إدارة هذه الشركة) ناجحة في تغيير حياة الناس بطرق نادراً ما تتمكن شركات مثل تويتر وفيس بوك من محاكاتها.

لا شك أن أولئك الذين يفضلون العمل في المنزل لا يكتفون بالاستشهاد بالتكاليف ووقت الانتقال فحسب، بل وأيضاً بكثرة الاجتماعات ــ ربما قدر أكبر مما ينبغي من الثقافة ــ والفيض الثابت من الاتصالات التي تقاطع عملهم ببساطة بدلاً من تحسينه. ومن المثير للاهتمام أنني سمعت هذه الحجة في أحد "لا مؤتمرات" مجموعة "دبليو بي بي ستريم" في فوكيت بتايلاند، حيث طار بضع مئات من الناس لآلاف الأميال لكي يلتقوا وجهاً لوجه من أجل تبادل الأفكار وتعزيز علاقات العمل.

لذا، فأنا أرى أن العمل على الإنترنت منطقي ومعقول إلى حد كبير في العديد من المواقف، ولكن عندما تحاول إصلاح ثقافة الشركات المعطلة، فأنت في احتياج إلى الالتزام، والتواصل البشري، والتفاعل الإبداعي الذي يحدث بشكل مستمر في بيئة العمل المادية. وفي النهاية، فإن الأمر يرجع إلى المديرين المهرة في اتخاذ القرار حول من يستطيع أن يعمل أين، وجعل الاجتماعات قصيرة ومفيدة.

الواقع أن المقصد الأساسي من وجود المديرين هو أنهم من المفترض أن يمارسوا قدراتهم في الحكم على الأمور. وإلا فإن أجهزة الكمبيوتر وشبكات الإنترنت تسمح لنا ليس بالعمل من المنزل فحسب، بل وأيضاً لرفع التقارير إلى برنامج وليس إلى شخص.

ولكن التحدي في نهاية المطاف يتخلص في إيجاد التوافق السليم بين الناس والبيئة. وأنا شخصية أتعامل مع هذا الأمر من الاتجاه المعاكس. فبوصفي مستثمرة خيرية مستقلة بلا وظيفة ثابتة حقيقية، ليس لي مكتب أذهب إليه كل يوم. ولكني أفتقد صحبة الناس الذين يعملون من حولي ــ وحتى وإن كانوا لا يعملون معي بالضرورة.

ومن حسن الحظ أن "ميت أب" تسمح لي بالجلوس على مكتب وسط ما يقرب من تسعين شخص؛ وأنا كثيرة الترحال، ولكن أعمل من على مكتب في "ميت أب" كلما كنت في "موطني" في مدينة نيويورك. صحيح أنني أضطر إلى اجتماعات الشركة، ولكني أحب أن أكون محاطة بأناس منشغلين بالعمل؛ وأنا أعرف أن هذا يجعلني أعمل بقدر أعظم من الجدية. وأياً كان عملنا، فإننا نظل كائنات اجتماعية ماديا.

ترجمة: أمين علي          Translated by: Amin Ali