اجتاز العالم سنة 2006 دون التعرض لكارثة اقتصادية كبرى، وذلك على الرغم من ارتفاع أسعار النفط إلى عنان السماء وإفلات الزمام في الشرق الأوسط. إلا أن هذه السنة أسفرت عن عدد كبير من الدروس المستفادة بالنسبة للاقتصاد العالمي، علاوة على العديد من إشارات التحذير فيما يتصل بأدائه في المستقبل.
ولم يكن من قبيل المفاجأة أن تشهد نفس السنة رفضاً جديداً مدوياً للسياسات الأصولية التي تنتهجها الليبرالية الجديدة، ولكن في هذه المرة من جانب الناخبين في نيكاراجوا والإكوادور. في ذات الوقت، وفي فنزويلاً المجاورة حقق هوجو شافيز فوزاً انتخابياً ساحقاً: بعد أن نجح على الأقل في إدخال بعض التعليم والرعاية الصحية إلى الأحياء الفقيرة، التي كانت من قبل تتلقى أقل قدر من الفوائد الناجمة عن الثروة النفطية الهائلة في البلاد.
وربما كان تصويت الناخبين في الولايات المتحدة بعدم الثقة في الرئيس جورج دبليو بوش ، الذي أصبح الآن مسئولاً أمام كونجرس ديمقراطي، من بين أهم التطورات التي شهدها العالم في هذه السنة.
حين تقلد بوش منصب الرئاسة في العام 2001، تمنى الكثيرون أن يحكم بكفاءة واقتدار وأن يتحرى الوسطية. أما المحللون الأكثر تشاؤماً فقد عزّوا أنفسهم بالتساؤل حول مدى الضرر الذي قد يحدثه رئيس دولة خلال بضع سنين. إلا أننا اليوم نعرف الإجابة: وهي أن ذلك الضرر قد يكون هائلاً.
لم يحدث من قبل طيلة تاريخ أميركا أن انحدر موقفها في أعين العالم إلى هذا الحد. فقد تهدمت القيم الأساسية التي ينظر الأميركيون إليها باعتبارها محوراً لهويتهم. بل لقد حدث ما لم يكن من الممكن تصوره: رئيس أميركي يدافع عن استخدام التعذيب، واللجوء إلى الشكليات في تفسير معاهدات جنيف، وتجاهل الاتفاقية الخاصة بالتعذيب، والتي تحظر اللجوء إلى التعذيب تحت أي ظرف من الظروف. على نحو مماثل، وعلى الرغم من الاحتفاء بالرئيس بوش في البداية كأول رئيس أميركي حاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، إلا أن الفساد والعجز سادا في ظل إدارته، بداية من الاستجابة الفقيرة للإعصار كاترينا إلى إدارة الحرب في أفغانستان والعراق.
الحقيقة أننا لابد وأن نتوخى الحرص حتى لا نستقي من انتخابات 2006 أكثر مما ينبغي: فالأميركيون لا يحبون خسارة أي حرب يخوضونها. لقد كان هذا الإخفاق، والمستنقع الذي خطت إليه أميركا مرة أخرى بكل ثقة، من بين أهم الأسباب التي دعت الناخبين إلى رفض بوش . إلا أن الفوضى التي ساهمت سنوات بوش في صياغتها في الشرق الأوسط تشكل أيضاً تهديداً أساسياً للاقتصاد العالمي. فمنذ بدأت حرب العراق في العام 2003 لم تتزايد معدلات إنتاج النفط في الشرق الأوسط كما كان متوقعاً بحيث يلبي الطلب العالمي المتزايد. وعلى الرغم من أن أغلب التوقعات تشير إلى أن أسعار النفط سوف تظل عند مستوياتها الحالية أو أقل قليلاً، فإن هذا يرجع إلى النمو المعتدل في الطلب نتيجة لأسباب أهمها تباطؤ اقتصاد الولايات المتحدة.
مما لا شك فيه أن تباطؤ اقتصاد الولايات المتحدة يشكل تهديداً آخر للاقتصاد العالمي. وتعود جذور المشكلة الاقتصادية التي تعاني منها أميركا إلى إجراءات اتخذت في وقت مبكر من ولاية بوش الأولى. وبصورة خاصة التخفيضات الضريبية التي فرضتها الإدارة الأميركية، والتي أخفقت إلى حد كبير في تحفيز الاقتصاد، وذلك لأنها كانت مصممة في الأساس ليستفيد منها أكثر دافعي الضرائب ثراءً. ولقد ألقي عبء تحفيز الاقتصاد على بنك الاحتياطي الفيدرالي، الذي بادر إلى تخفيض أسعار الفائدة إلى مستويات غير مسبوقة. وعلى الرغم من أن القروض الرخيصة لم تؤثر على الاستثمارات إلا بصورة طفيفة، إلا أنها أدت إلى تغذية فقاعة العقارات السكنية، التي بدأت تنفجر الآن مهددة الأسر الأميركية التي بادرت إلى الاقتراض مع ارتفاع قيمة المساكن بهدف دعم استهلاكها.
لم تكن هذه الإستراتيجية الاقتصادية قابلة للدوام بأي حال من الأحوال. فقد أصبحت مدخرات الأسر الأميركية بالسلب لأول مرة منذ الأزمة الاقتصادية العظمى، حيث تقترض الولايات المتحدة ثلاثة آلاف مليون دولار أميركي يومياً من الأجانب. إلا أن الأسر الأميركية تستطيع أن تستمر في الادخار أو الاستهلاك ما دامت أسعار المساكن مستمرة في الارتفاع، وما دامت أسعار الفائدة منخفضة. وهذا يعني أن ارتفاع أسعار الفائدة وانخفاض أسعار المساكن لا يخدم الاقتصاد الأميركي. وطبقاً لبعض التقديرات فإن 80% تقريباً من الزيادة في معدلات توظيف العمالة وما يقرب من ثلثي الزيادة في الناتج المحلي الإجمالي خلال الأعوام الأخيرة تنبع بصورة مباشرة أو غير مباشرة من العقارات السكنية.
ولكي يزداد الطين بلة فقد أدى الإنفاق الحكومي غير المقيد إلى تعويم الاقتصاد الأميركي بصورة أكبر أثناء سنوات ولاية بوش ، حيث بلغ العجز المالي مستويات غير مسبوقة، وبات من الصعب بالنسبة للحكومة أن تتدخل الآن لدعم النمو الاقتصادي مع اضطرار الأسر الأميركية إلى تقليص استهلاكها. والحقيقة أن العديد من النواب الديمقراطيين الذين خاضوا حملاتهم الانتخابية على وعد بالعودة إلى التعقل المالي، سوف يطالبون على الأرجح بتخفيض العجز المالي، الأمر الذي سيؤدي بالضرورة إلى المزيد من تثبيط النمو.
وفي نفس الوقت، سوف يستمر الخلل المستديم في التوازن العالمي في إحداث المزيد من التقلبات، وبصورة خاصة بالنسبة لهؤلاء الذين تعتمد حياتهم على أسعار الصرف. وعلى الرغم من المساعي التي يبذلها بوش منذ أمد بعيد لإلقاء اللوم على الآخرين، إلا أنه من الواضح أن الاستهلاك الأميركي غير المقيد وعجز أميركا عن الحياة في نطاق إمكانياتها يشكلان سببين رئيسيين لهذا الخلل في التوازن. وما لم يتغير هذا فلسوف يستمر الخلل العالمي في التوازن في العمل كمصدر أساسي لعدم الاستقرار على الصعيد العالمي، بصرف النظر عما تفعله الصين أو أوروبا.
في ظل كل هذه الشكوك أصبح اللغز الآن يكمن في كيفية إبقاء عائدات المجازفة عند نفس معدلاتها المنخفضة الآن. ومع الانخفاض الواضح في معدلات نمو السيولة النقدية على الصعيد العالمي نتيجة لمبادرة البنوك المركزية على التتابع إلى رفع أسعار الفائدة، فإن التوقعات الخاصة بعودة عائدات المجازفة إلى مستويات أكثر طبيعية تشكل في حد ذاتها واحداً من التهديدات الرئيسية التي يواجهها العالم اليوم.


Comments (0)
You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.
The two commenting options explained
Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.
1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.
2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.