Wednesday, October 22, 2014
0

لماذا نخشى الطاقة النووية؟

كونكورد، ماساتشوستس ـ إن المشاعر المتناقضة في ألمانيا بشأن الطاقة النووية، والتي أصبحت شائعة في العديد من البلدان المتقدمة، تجلت بوضوح مؤخراً، في أعقاب القرار الذي اتخذته أنجيلا ميركل بتمديد العمر التشغيلي لمحطات الطاقة النووية السبع عشرة في البلاد لمدة متوسطها 12 عاماً بعد تاريخ إغلاقها المقرر حاليا. وتقول ميركل إن هذا من شأنه أن يساعد ألمانيا في تطوير "إمدادات الطاقة الأكثر كفاءة والأكثر رحمة بالبيئة على مستوى العالم". ويقول زعماء المعارضة إن الحكومة "تبيع السلامة في مقابل المال".

ويجادل كل من الجانبين بشأن الحقائق، ولكن هذه المناقشة تقوم على حجة تدور حول مشاعرنا إزاء هذه الحقائق. ذلك أن الكيفية التي ننظر بها إلى المخاطر ـ هل ترتبط هذه المخاطر بالطاقة النووية أو المواد الغذائية المعدلة وراثيا أو أي تهديد محتمل ـ لا تكون عقلانية محضة وقائمة على الحقائق أبدا.

لقد توصلنا بعد عقود من البحث والدراسة إلى أن تصور المخاطر يشكل تركيبة فعّالة من الحقائق والمخاوف، العقلانية منها والغريزية، والقائمة على المنطق أو الحدس. وهي عملية ذاتية لا مفر منها ـ وهي العملية التي ساعدتنا على البقاء، ولكنها توقعنا في المزيد من المتاعب أحيانا، وذلك لأننا كثيراً ما نقلق بشكل مبالغ فيه بشأن مخاطر تافهة نسبياً، أو لا نقلق على الإطلاق إزاء مخاطر أكبر، وقد نتخذ خيارات تبدو سليمة في ظاهرها، ولكنها تعمل في واقع الأمر على خلق مخاطر جديدة.

لذا، فبينما تتصارع ألمانيا مع قضية الطاقة النووية، فهناك دروس مهمة لابد من استيعابها، ليس فقط عن الطاقة النووية في حد ذاتها، بل وأيضاً عن الكيفية التي ننظر بها إلى المخاطر في المقام الأول، وذلك لأن فهم هذا النظام غير الموضوعي يشكل الخطوة الأولى نحو تجنب مزالقه المستترة.

ولنتأمل هنا جانبين من مخاطر الإشعاع النووي: الحقائق والمشاعر.

على مدى 65 عاماً كان الباحثون يتتبعون ما يقرب من تسعين ألفاً من الناجين من القنبلة الذرية، والذين كانوا في نطاق ثلاثة كيلومترات من موقع تفجير قنبلتي هيروشيما وناجازاكي في عام 1945. ولقد قام العلماء بمقارنتهم بسكان اليابان الذين لم يتعرضوا للإشعاع من أجل حساب تأثيرات الإشعاع الذي تعرضوا له. وطبقاً للتقديرات الحالية فإن 572 فقط من الناجين ـ أكثر قليلاً من 0,5% ـ ماتوا أو قد يموتون نتيجة لأشكال مختلفة من السرطان الناجم عن التعرض للإشعاع.

ولقد توصلت دراسة أجرتها مؤسسة بحوث تأثيرات الإشعاع (http://www.rerf.or.jp/) إلى أن الأجنة التي كانت داخل أحشاء النساء الحوامل من الناجيات في وقت تفجير القنبلتين ولدوا بتشوهات رهيبة. ولكن هذه الدراسة لم تتوصل إلى أي ضرر بعيد الأمد غير ذلك ـ ولو حتى ضرر جيني ـ نتيجة للتعرض لمثل هذه المستويات غير العادية من الإشعاع.

وبالاعتماد على البحوث اليابانية، فإن منظمة الصحة العالمية تقدر أن أربعة آلاف فقط من مئات الآلاف الذين تعرضوا للإشعاع المؤين نتيجة لانفجار مفاعل تشرنوبيل قد يتوفون قبل متوسط العمر المتوقع نتيجة لأمراض سرطانية ناتجة عن الإشعاع المتسرب. وإنها لمأساة بكل المقاييس ولكن مثل أعداد الوفيات الناجمة عن أمراض سرطانية بين الناجين من هيروشيما وناجازاكي، فإن هذا العدد أقل كثيراً مما يفترض أغلب الناس.

ولكن إذا كان الإشعاع المؤين يُعَد عنصراً مسرطناً ضعيفا، فلماذا نخشى الطاقة النووية على هذا الحد؟ لقد توصلت الأبحاث حول الكيفية التي ينظر بها الناس إلى الخطر ويستجيبون له إلى تحديد عِدة خصائص نفسية تجعل من الإشعاع النووي أمراً مخيفاً بشكل خاص:

·      فنحن لا نستطيع الكشف عنه الإشعاع النووي بالاستعانة بحواسنا، الأمر الذي يجعلنا نشعر بالعجز عن حماية أنفسنا، والافتقار إلى القدرة على السيطرة على خطر ما تجعله يبدو أكثر ترويعا.

·      والإشعاع يسبب السرطان، وهي نتيجة مؤلمة بشكل خاص، وكلما زاد ما يحدثه شيء ما من الألم والمعاناة، كلما صار خوفنا منه أعظم.

·      والإشعاع الناتج عن الطاقة النووية من صنع الإنسان، والمخاطر التي من صنع الإنسان تستفز قدراً أعظم من الخوف مقارنة بالمخاطر الطبيعية.

·      ومحطات الطاقة النووية قد تتعرض لحوادث (لا يزال العديد من الناس يتصورون أنها قد تنفجر مثل القنابل)، ولقد فُطِر الناس على الخوف الغريزي من المخاطر المرتبطة بكارثة منفردة واسعة النطاق على نحو لا يقارن بخوفهم من المخاطر التي تسبب ضرراً أعظم ولكنها تنتشر ببطء في المكان والزمان.

·      ولا يثق العديد من الناس في صناعة الطاقة النووية، أو الجهات الحكومية المنظمة لصناعة الطاقة النووية، وكلما كانت ثقتنا أقل كلما كانت مخاوفنا أعظم.

ولكن على الرغم من كل هذه المخاوف، فإن المواقف العامة في التعامل مع الطاقة النووية آخذة في التحول. وتساعدنا سيكولوجية تصور المخاطر في تفسير هذا التحول أيضا:

·      فقد أصبحنا أكثر إدراكاً للفوائد المترتبة على الانبعاثات الخالية من ثاني أكسيد الكربون، وعندما تبدو الفوائد المترتبة على خيار ما أعظم، فإن المخاطر المرتبطة به تبدو أضأل.

·      كانت كارثة تشرنوبيل التي وقعت في عام 1986 أكثر حضوراً في أذهان الأوروبيين في عام 2000، عندما صوتت ألمانيا لصالح إزالة كل محطات الطاقة النووية بحلول عام 2021، مقارنة بالوضع الآن بعد مرور عقد كامل من الزمان، وكلما كان إدراكنا أقل مباشرة للخطر كلما كان الخوف الذي يثيره أقل.

إن كل هذه العوامل النفسية لا علاقة لها بالحقائق المرتبطة بالمخاطر الفعلية للإشعاع النووي. ولكن كما هي الحال في الكثير من الأحيان فيما يتصل بإدراك المخاطر، فإن المرشحات العاطفية تعمل على نحو أكثر تأثيراً من الحقائق على تحديد مدى خوفنا أو عدم خوفنا.

وسواء كان هذا عقلانياً أو غير عقلاني، مصيباً أو غير مصيب، فهو أمر غير ذي صلة. فالأمر كما هو عليه على نحو لا مفر منه. ولكن يتعين علينا أن ندرك أن استجابتنا للمخاطر قد تشكل خطراً في حد ذاتها. فقد دفعتنا مخاوفنا من الطاقة النووية إلى الاعتماد على اقتصاد الطاقة الذي يفضل الفحم والنفط لتوليد الطاقة الكهربائية، وبتكاليف باهظة تتمثل في تهديد صحة البشر والبيئة. فالجسيمات الملوثة الناجمة عن احتراق الوقود الأحفوري تقتل عشرات الآلاف من الأوروبيين في كل عام، وتهدد انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بتحول مأساوي مفجع في مناخ العالم.

ولا يمكن لأي قدر من التعليم أو التواصل الجيد أن يدور حول هذا. ذلك أن التصور غير الموضوعي للمخاطر يتداخل بشكل وثيق مع تركيبتنا النفسية والكيميائية. ويتعين على الحكومات أن تدرك ما أثبتته الأبحاث النفسية: ألا وهو أن تصوراتنا، بقدر ما هي عليه من إدراك الحقيقية، ورغم ضرورة احترام هذا التصورات في أي نظام ديمقراطي، فإنها قد تؤدي في حد ذاتها إلى خلق مخاطر جديدة.

وفي ضوء هذا الفهم فإن تقييم الحكومات للمخاطر لا ينبغي له أن يقيم اعتباراً للحقائق فحسب، بل ولابد أيضاً أن يضع في الحسبان تصوراتنا ومشاعرنا إزاء هذه المخاطر وكيف نتعامل معها. وبهذا النحو، سوف يتسنى لنا أن نحد من الصراع بشأن الطاقة النووية وغير ذلك من القضايا المرتبطة بالمخاطر، وأن نعزز السياسات الأكثر حكمة والأعظم قدرة على تحسين صحة البشر والبيئة.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured