Tuesday, October 21, 2014
0

ماذا ألم بالاقتصاد الأميركي؟

كمبريدج ـ في الآونة الأخيرة، تباطأ الاقتصاد الأميركي بشكل كبير، والآن تتزايد احتمالات دخوله في دورة انحدار أخرى مع ظهور كل جولة جديدة من البيانات. وهذا يشكل تحولاً حاداً عن الموقف الاقتصادي في نهاية العام الماضي ـ ويمثل عودة إلى نفس الوتيرة البالغة الضعف للتوسع منذ بدأ التعافي في صيف عام 2009.

لم يكن النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة في الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2010 بطيئاً فحسب، بل وكان يهيمن عليه أيضاً المخزون المتراكم وليس المبيعات للمستهلكين أو غير ذلك من أشكال المبيعات النهائية. ثم جاء الربع الأخير من عام 2010 حاملاً معه تغيراً محمودا، حيث ارتفع الإنفاق الاستهلاكي بمعدل سنوي بلغ 4%، وهو ما يكفي لزيادة الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.1% من الربع الثالث إلى الربع الرابع. وبدا الاقتصاد وكأنه نجا من اعتماده على تراكم المخزون.

ولقد دفع هذا الأداء الطيب المتكهنين والمسؤولين الحكوميين إلى توقع استمرار النمو القوي في عام 2011، في ظل مستويات أعلى من الإنتاج، وتشغيل العمالة، والدخول، على النحو الذي كان ليؤدي إلى زيادة إضافية في الإنفاق الاستهلاكي والتعافي التلقائي. ثم صدر تشريع يقضي بخفض الضريبة على الرواتب لمدة عام واحد بمقدار نقطتين مئويتين من أجل تأمين هذه التوقعات المواتية.

ولكن من المؤسف أن التعافي المتوقع في الإنفاق الاستهلاكي لم يحدث. إذ كان الارتفاع في أسعار الغذاء والطاقة أسرع من الزيادات في الأجور الاسمية، الأمر الذي أدى إلى انحدار المتوسط الحقيقي للدخل الأسبوعي في شهر يناير/كانون الثاني، في حين تسبب الانحدار المستمر في أسعار المساكن في تقليص ثروات الغالبية العظمى من الأسر. ونتيجة لهذا، ارتفع الإنفاق على الاستهلاك الشخصي الحقيقي بمعدل سنوي لم يتجاوز 1% في يناير/كانون الثاني، هابطاً بذلك عن الزيادة بنسبة 4% التي حققها في الربع السابق.

ولقد تكرر هذا النمط من ارتفاع الأسعار وانحدار الدخول الحقيقية في فبراير/شباط ومارس/آذار، في ظل ارتفاع حاد في مؤشر أسعار المستهلك، الأمر الذي تسبب في انحدار متوسط الدخل الأسبوعي الحقيقي بمعدل سنوي أكثر من 5%. ومن غير المستغرب إذن أن تسجل قياسات المسح لثقة المستهلك هبوطاً حاداً وأن يظل الإنفاق الاستهلاكي شبه ثابت من شهر إلى الذي يليه.

وكان الهبوط في أسعار المساكن سبباً في دفع مبيعات المساكن الجديدة والقائمة بالفعل إلى الهبوط. وكان هذا بدوره سبباً في انحدار هائل في عدد شركات الإسكان الجديدة وبناء الوحدات السكنية الجديدة. ومن المرجح أن يستمر هذا الانحدار، وذلك لأن ما يقرب من 30% من مساكن الرهن العقاري أصبحت تستحق أقل من قيمة الرهن ذاته. ولقد أدى هذا إلى خلق حافز قوي للتخلف عن سداد أقساط قروض الرهن العقاري، لأن الرهن العقاري في الولايات المتحدة يعتمد على قروض بلا موارد في واقع الأمر: حيث يستطيع الدائن أن يسترد العقار إذا لم يسدد المقترض الدين، ولكنه لا يستطيع أن يستولي على أصول أخرى للمدين أو قسم من دخله من أجره. ونتيجة لهذا فإن 10% من قروض الرهن العقاري أصبحت في حكم التخلف عن السداد أو حبس الرهن، الأمر الذي خلق فائضاً من الأملاك التي لابد وأن تباع بأسعار منخفضة.

والواقع أن استجابة الشركات كانت سلبية إزاء ضعف الطلب من جانب الأسر الأميركية، مع هبوط المؤشرات التي يستخدمها معهد إدارة التوريد لكل من شركات التصنيع والخدمات. ورغم أن الشركات الضخمة استمرت في الاحتفاظ بمقادير ضخمة من الأموال النقدية على قوائمها المالية، فإن تدفقاتها النقدية من العمليات الحالية هبطت أثناء الربع الأول. ولقد أشار أحدث مقياس للطلب على السلع الرأسمالية غير الدفاعية إلى انخفاض في الاستثمار في الشركات.

ثم تسارع نمط الضعف في شهري إبريل/نيسان ومايو/أيار. ثم توقف الارتفاع السريع نسبياً في تشغيل العمالة الثابتة أثناء الأشهر الأربعة الأول من العام في مايو/أيار، عندما تم إنشاء 54 ألف وظيفة جديدة فقط، وهذا الرقم أقل من ثلث متوسط نمو تشغيل العمالة أثناء الأشهر الأربعة الأول. ونتيجة لهذا، ارتفع معدل البطالة إلى 9.1% من القوة العاملة.

وكانت استجابة سوق السندات وأسعار الأسهم لهذه الأنباء السيئة متوقعة. فقد هبط سعر الفائدة على السندات الحكومية لعشرة أعوام إلى 3%، واستمرت سوق الأوراق المالية في الهبوط لستة أسابيع متواصلة، وهي أطول فترة هبوط منذ عام 2002، فضلاً عن هبوط تراكمي في أسعار السهم بنسبة تجاوزت 6%. وسوف تخلف أسعار السهم المنخفضة الآن تأثيرات سلبية على الإنفاق الاستهلاكي والاستثمار في الشركات.

ولن تتمكن السياسات النقدية والمالية من تبديل الحال الآن. وسوف يستمر بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في انتهاج سياسته المتمثلة في الإبقاء على أسعار الفائدة ليوم واحد عند مستوى أقرب إلى الصفر، ولكن نظراً للخوف من نشوء فقاعات أسعار الصول، فإن الاحتياطي الفيدرالي لن يتراجع عن قراره بإنهاء سياسة شراء سندات الخزانة ـ المعروفة بالتيسير الكمي ـ بحلول نهاية شهر يونيو/حزيران.

فضلاً عن ذلك فإن السياسة المالية سوف تكون انكماشية على مدى الأشهر المقبلة، حيث اقترب برنامج التحفيز المالي الذي بدأ العمل به في عام 2009 من نهايته، في ظل انحدار الإنفاق التحفيزي من 400 مليار دولار في عام 2010 إلى 137 مليار دولار فقط هذا العام. والآن تجري مفاوضات لخفض الإنفاق وزيادة الضرائب من أجل تقليص العجز المالي المتوقع لعام 2011 والسنوات اللاحقة.

وكل هذا يعني أن توقعات الاقتصاد الأميركي في الأمد القريب سوف تكون ضعيفة في أحسن تقدير. بل وربما كان لزاماً على أي تغييرات جوهرية في السياسات أن تنتظر إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2012.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured