Wednesday, October 22, 2014
0

ماذا تريد المرأة المسلمة؟

نيويورك ـ إذا حلّ الاستهزاء والسخرية محل الحوار، فلابد وأن يعاني الجميع ـ وخاصة حين يتعلق الأمر بفهم القضايا التي تؤثر على المرأة، التي تناضل في مختلف أنحاء العالم ضد من يحاولون إخراس صوتها. مؤخراً، حاول بعض المدونين الأميركيين المنتمين إلى جناح اليمين تحريف مقال كتبته، على النحو الذي أدى إلى تلك النتيجة على وجه التحديد.

كنت قد كتبت أن العديد من الناشطات من النساء في البلدان الإسلامية يـمِلن إلى التركيز على قضايا مثل جرائم الشرف، وعدم المساواة القانونية، والافتقار إلى فرص الحصول على التعليم، وأنهن يعبرن عن إحباطهن إزاء هوس الغربيين بلباس المرأة المسلمة والذي يأتي على حساب هذه القضايا المهمة. كما أشرت إلى أن العديد من الناشطات المنتميات إلى الحركات النسائية الإسلامية يدافعن عن الشكل الذي اخترنه لملابسهن باعتباره وسيلة للتعبير عن الانتماء القومي أو مناهضة الإمبريالية الاستعمارية، أو باعتباره مسألة إيمانية.

ولقد استفز ذلك عاصفة نارية من التحريف والتشويه في الغرب: "إن ناعومي وولف تريد إضفاء الطابع المؤسسي على البرقع (خمار يغطي الجسم بالكامل ويترك فتحة للعينين أحياناً)"، إلى آخر ذلك. وكان من المحبط أن أرى ذلك النداء البسيط الذي يدعو الغربيين إلى الإنصات إلى المرأة المسلمة بتروٍ ومنهجية وقد تعرض للتشويه المتعمد حتى تحول إلى مجرد تمثيل للمرأة المسلمة باعتبارها كائناً خنوعاً مسلوب الإرادة وفي حاجة إلى الإنقاذ.

لقد أصبحت على يقين من أن المرأة المسلمة لابد وأن يُـسمَح لها بالتحدث عن نفسها بعد أن التقيت بأقطاب الحركة النسائية في رحلاتي الأخيرة ـ وبخاصة في الأردن، ذلك البلد المتوازن على نحو مثير للإعجاب بين التقاليد والتجديد، والذي يشهد نمواً ملحوظاً في ظل حكومة ملكية مستنيرة تسعى إلى التحديث، وإضفاء الطابع الديمقراطي إلى حد ما. وبالنسبة لهؤلاء الغربيين الذين يشعرون بالقلق والانزعاج إزاء الأصولية الإسلامية في العالم العربي فلا شك أن الأردن يُـعَد نموذجاً جديراً بالدراسة والفهم والدعم والمشاركة.

لم يقل لي زعيمات الحركة النسائية اللاتي التقيت بهن في عمان: "أرجوك، ناشدي الغرب أن يأتي لإنقاذنا". بل كنّ منشغلات بإنشاء عوالم جديدة خاصة بهن تقوم على المساواة والحداثة، ولكنها ذات طابع عربي، وإسلامي في كثير من الأحيان.

والواقع أن الأميرة ريم علي ، نسيبة الأميرة رانيا ـ النجمة الإعلامية التي ترتدي أزياء شانيل وتسعى إلى إضفاء طابع أكثر حداثة على الأردن ـ تُـعَد مثالاً حياً؛ فالأميرة ريم تحرز تقدماً هائلاً في صمت وبعيداً عن الأضواء. كانت قد استقبلتني في ضاحية مورفة محاطة بالأشجار من ضواحي عمان، في قصر حيث تقيم مع الأمير علي وأطفالها الصغار. ورغم أنها صحافية سابقة، إلا أن سلوكها الرزين الهادئ وأسلوبها الدبلوماسي يخفيان شجاعتها: فقد أسرت قلب زوجها بينما كانت تغطي أخبار بغداد في عشية "الصدمة والرعب"، فكانت تقف راسخة أمام الكاميرات والقنابل تتساقط من حولها.

كما دعمت الأميرة ريم والأمير علي تأسيس معهد جديد للسينما تحت اسم معهد البحر الأحمر للفنون السينمائية، وهو  مشروع مشترك مع جامعة جنوب كاليفورنيا يجمع الشباب المتألقين الموهوبين من مختلف بلدان الشرق الأوسط لكي يتعلموا صناعة السينما المعاصرة، ويتدربوا على إنتاج الأفلام الدولية، وينقلوا قصص المنطقة إلى الخارج. ورغم أنها لم تعد قادرة على ممارسة الصحافة بشكل مباشر إلا أن الأميرة ريم تشارك أيضاً في تأسيس مدرسة جديدة للصحافة الأردنية. وهدفها من ذلك هو تخليص الصحافيين من عادة تقبل "خط الحزب" ـ حتى ولو كان ذلك الحزب امتداداً لعائلتها ـ وتزويدهم بمنظور أكثر ميلاً للانتقاد.

ولقد لفتت انتباهي إلى الأفلام المنتجة في الأردن والتي تدور حول تبعية المرأة داخل المنزل، والكتاب المؤثر من تأليف رنا الحسيني تحت عنوان "جريمة قتل باسم الشرف" والذي يدور حول جرائم الشرف. ولكن رسالتها الضمنية كان مفادها أن هذه المراجعة النقدية لمشكلة عدم المساواة التي تعاني منها المرأة في العالم العربي تصبح أكثر تنويراً ونفعاً حين تنشأ عن أنصار المرأة المنتمين إلى نفس الثقافة، وليس النسخ المهولة السطحية التي يتناول الغرب من خلالها هذه المشكلة.

 وتُـعَد مريم نزال ، التي تمتلك مع أسرتها فندقاً صغيراً أنيقاً يعج بالحياة، مثالاً آخر لامرأة شديدة الحيوية والنشاط، وكأنها خرجت للتو من جلسة لتصوير الأزياء. ولكن من قبيل الخطأ أن نستخف بجديتها. وأنا أطلق عليها "مارثا ستيورات تلتقي تشي جيفارا"، وذلك لأنها حين لا تكون مشغولة بتجديد المساحات العامة الأنيقة في فندقها، فهذا يعني أنها تشغل وقتها بمقاضاة جنرالات إسرائيل في المحكمة الجنائية الدولية لجرائم الحرب التي ارتكبوها حسب زعمها ضد المدنيين في غزة.

تلقت مريم نزال تدريبها كمحامية بريطانية، وهي تترأس مجلس إدارة صندوق ائتمان المساعدات القانونية لحقوق الإنسان. والواقع أن منظمتها عازمة على استخدام القانون الدولي لمساءلة أفراد المؤسسة العسكرية الإسرائيلية الذين عرضوا المدنيين للأذى أثناء اجتياح غزة ـ وهي الأحداث التي أكدها تقرير جولدستون الأخيرة. وهي متعاطفة مع القضية الفلسطينية ومتحمسة لها، وتمزج بين براعتها القانونية الفائقة واستعدادها للإنصات إلى أشخاص محترمين من المنتمين إلى كل من طرفي الصراع، وبين التزامها الصارم بتحقيق السلام في المنطقة استناداً إلى العدالة والإجراءات القانونية اللائقة.

وأخيراً هناك رنا الحسيني ـ النموذج والقدوة لمراسلي التحقيقات في كل مكان، والتي بدأت في إدانة جرائم الشرف والتحقيق فيها في صحيفتها، جوردن تايمز. إن جرائم الشرف تحصد أرواح خمسة آلاف امرأة في كل عام، ولقد أصبحت هذه النوعية من الجرائم معتادة على نحو متزايد بين أفراد الجاليات المهاجرة في الخارج. وطبقاً لروايتها فقد تعرض المرأة نفسها للقتل "إذا ضحكت على نكتة في الشارع، وهي تضع مساحيق التجميل أو ترتدي تنورة قصيرة... أو قد تتعرض للاغتصاب من قِـبَل شقيق لها".

ومنذ بدأت رنا الحسيني نشر سلسلة من التقارير، كانت تتلقى تهديدات بالقتل في مكتبها بشكل يومي تقريباً ـ وكذلك المئات من رسائل التأييد من القراء. ونتيجة لتحقيقاتها الجريئة، التي تضمنت مقابلات في السجون، بدأ عدد كبير من الدول الإسلامية في تنقيح وتعديل قوانينها الجنائية، ولقد اجتذبت هذه القضية اهتماماً كبيراً على المسرح الدولي.

هؤلاء النسوة يمثلن على وجه التحديد ذلك النوع من الزعامات التي يتعين علينا جميعاً أن نرعاها وندعمها، بدلاً من تجاهلها بسبب اعتقاد مضلل مفاده أن مثل هذه الزعامات ليس من الممكن أن تنشأ في الشرق الأوسط. والواقع أنه لمن الأفضل للجميع أن نعرف المزيد عن هذه الزعامات بدلاً من إهدار وقتنا في مناقشات سطحية حول الأردية التي يتعين عليهن أن يلبسنها.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured