Exit from comment view mode. Click to hide this space
Email | Print

ما زلنا نتعلم من الشيوعية

يشهد يوم السابع عشر من نوفمبر هذا العام مرور سبعة عشر عاماً على الثورة المخملية التي وضعت حداً لواحد وأربعين عاماً من الحكم الشيوعي المطلق في تشيكوسلوفاكيا. وهذه المناسبة تُـعَـد بمثابة الفرصة للتأمل في مغزى السلوك الأخلاقي والعمل الحر. اليوم نعيش في ظل مجتمع ديمقراطي، لكن العديد من الناس ـ ليس في جمهورية التشيك فحسب ـ ما زالوا يرون أنهم ليسوا حقاً أسياد مصائرهم. لقد فقدوا إيمانهم بقدرتهم في التأثير على التطورات السياسية، ويتعاظم هذا الشعور حين يتعلق الأمر بقدرتهم على التأثير في الاتجاه الذي تسلكه حضارتنا.

في أثناء العصر الشيوعي كان أغلب الناس يؤمنون بأن الجهود الفردية الرامية إلى إحداث التغيير تجافي المنطق. وكان الزعماء الشيوعيون يصرون على أن النظام كان نتاجاً لقوانين التاريخ الموضوعية التي لا يستطيع أحد أن يتحداها. ولقد تعرض أولئك الذين رفضوا هذا المنطق للعقاب ـ على سبيل الاحتياط.

ومن المؤسف أن أسلوب التفكير الذي ساند الحكم الشيوعي المطلق لم يختف تماماً. فما زال بعض أهل السياسة وأصحاب الرأي يرون أن الشيوعية انهارت تحت ثقلها ذاته لا أكثر ـ أي بفعل "القوانين الموضوعية" للتاريخ، مرة أخرى. وهنا يتجسد ثانية الاستخفاف بالمسئولية الفردية والعمل الفردي. وكما قيل لنا، فلم تكن الشيوعية سوى واحد من الطرق المسدودة التي يؤدي إليها المذهب العقلاني الغربي؛ وعلى هذا فقد كان كل المطلوب هو أن نقعد في سلبية وننتظر حتى تسقط الشيوعية من تلقاء ذاتها.

نفس هؤلاء الأشخاص يؤمنون بتجليات أخرى للحتمية القدرية، مثل عدد متنوع من القوانين المفترضة التي تتحكم في السوق، و"الأيادي الخفية" الأخرى التي توجه حياتنا. وبما أن مثل هذا التفكير لا يعطي مساحة تذكر للعمل الفردي الأخلاقي، فإن النقاد الاجتماعيين كثيراً ما يتعرضون للسخرية ويتهمون بأنهم من السذج المؤمنين بالأخلاق الفاضلة وأهل النخبة.

وربما كان هذا أحد الأسباب التي جعلتنا، بعد مضي خمسة عشر عاماً على سقوط الشيوعية، نشهد من جديد عودة حس اللامبالاة السياسية. وبات كثيرون، وعلى نحو متزايد، لا ينظرون إلى الديمقراطية إلا باعتبارها مجرد طقس يمارسونه. وعلى وجه العموم، فعلى ما يبدو أن المجتمعات الغربية تعيش الآن أزمة ترتبط بالروح الديمقراطية والمواطنية الفاعلة.

ربما كان ما نشهده الآن لا يزيد على كونه مجرد تغيير للمثال أو النموذج، وربما كان هذا التغيير بفعل التقنيات الحديثة، وربما كان لا شيء في هذا يدعونا إلى الانزعاج والقلق. ولكن قد تكون المشكلة أكثر عمقاً: فالشركات العالمية، وشركات الإنتاج الإعلامي المشترك، والأنظمة البيروقراطية القوية تعمل على تحويل الأحزاب السياسة إلى منظمات لم تعد مهمتها الرئيسية تنصب في الخدمة العامة، بل إنها أصبحت تعمل فقط من أجل حماية عملاء محددين ومصالح خاصة. فأصبح عالم السياسة مجرد ساحة معركة لجماعات الضغط؛ وبات العمل الرئيسي لأجهزة الإعلام يتلخص في إثبات تفاهة المشاكل الجادة؛ وصارت الديمقراطية في أغلب الأحوال تبدو وكأنها لعبة افتراضية للاستهلاك، بدلاً من كونها عملاً جاداً يمارسه مواطنون جادون.

ولقد أصبحنا ندرك اليوم تمام الإدراك أننا حين كنا نحلم بالمستقبل الديمقراطي، فلابد وأننا كنا نعاني من بعض أوهام الإصلاح السياسي الحماسي غير العملي. لكننا لم نكن على خطأ حين كنا نؤكد أن الشيوعية لم تكن مجرد طريق مسدود قادنا إليه المذهب العقلاني الغربي. فقد وصلت البيروقراطية الجامدة، وإنكار قيمة العمل الفردي، والتأكيد على الانسياق الجماهيري، إلى قمة "الكمال" في ظل النظام الشيوعي؛ لكن بعض هذه التهديدات بعينها تعمل لصالحنا اليوم.

كنا قد أدركنا آنذاك بالفعل أن الديمقراطية إذا أفرغت من محتواها المتصل بالقيم وتضاءلت إلى مجرد منافسة بين الأحزاب السياسية التي تملك حلولا "مضمونة" لكل المشاكل، فإنها بهذا تتحول إلى كيان لا علاقة له بالديمقراطية على الإطلاق. وهذا هو السبب الذي يجعلنا نؤكد بشدة على البعد الأخلاقي للسياسة ودور المجتمع المدني النشط، كثقلين يوازيان ثقل الأحزاب السياسية ومؤسسات الدولة.

كما كنا نحلم أيضاً بنظام دولي أكثر إنصافاً. وكانت نهاية العالم ثنائي القطبية تمثل فرصة عظيمة لإضفاء المزيد من الإنسانية على النظام الدولي. لكننا بدلاً من هذا نشهد اليوم عملية العولمة الاقتصادية التي أفلتت من زمام السيطرة السياسية فأصبحت تقود إلى الخراب الاقتصادي والدمار البيئي في أجزاء عديدة من العالم.

لقد كان سقوط الشيوعية بمثابة الفرصة لإنشاء مؤسسات سياسية عالمية أكثر فعالية تتبنى مبادئ الديمقراطية ـ مؤسسات تستطيع أن تمنع هذا التوجه والذي يؤكد في هيئته الحالية على ميلنا إلى التدمير الذاتي لعالمنا الصناعي. وإذا كنا لا نريد لقوى مجهولة أن تسحقنا، فإن مبادئ الحرية والعدالة والتضامن ـ والتي تشكل الأساس للاستقرار والازدهار في الأنظمة الديمقراطية الغربية ـ لابد وأن تبدأ في العمل على نطاق يشمل العالم بالكامل.

ولكن قبل كل شيء لابد وأن ندرك أنه من الضروري ـ تماماً كما كانت الحال في إبان العصر الشيوعي ـ ألا نفقد الإيمان بقيمة ومغزى المراكز البديلة للفكر والعمل المدني. ويتعين علينا ألا نسمح لأنفسنا بالوقوع في دائرة التلاعب الفكري التي تجعلنا نصدق أن محاولات تغيير النظام "الراسخ" والقوانين "الموضوعية" تتعارض مع المنطق وتجافيه. كما يتعين علينا أن نبذل المحاولات لبناء مجتمع مدني عالمي، وأن نصر على قناعتنا بأن السياسة ليست مجرد تجسيد لتكنولوجيا القوة، بل إنها تحتاج بشدة إلى البعد الأخلاقي.

وفي ذات الوقت، ينبغي على الساسة في البلدان الديمقراطية أن يفكروا بجدية بشأن إصلاح المؤسسات الدولية، وذلك لأننا في مسيس الحاجة إلى مؤسسات قادرة على إرساء قواعد حكم عالمي حقيقي. نستطيع أن نبدأ على سبيل المثال بالأمم المتحدة، التي أصبحت في هيئتها الحالية لا تمثل سوى أثرٍ باهت للموقف الذي شهده العالم بعد سنوات قليلة من نهاية الحرب العالمية الثانية. فهي لا تعكس نفوذ بعض القوى الإقليمية الجديدة، كما أنها في ذات الوقت تساوي، وعلى نحو غير أخلاقي، بين الدول التي تنتخب ممثليها وفقاً للعملية الديمقراطية وبين تلك الدول التي لا يعبر ممثلوها إلا عن أنفسهم أو عن الجهات السياسية التي يمثلونها.

أما نحن أهل أوروبا فقد أصبحت لدينا مهمة واحدة محددة. فالحضارة الصناعية التي تمتد الآن لتشمل العالم كله، كانت نشأتها في أوروبا. وكل معجزات هذه الحضارة، علاوة على تناقضاتها المروعة، يمكن تفسيرها باعتبارها نتائج وعواقب أفرزتها روح هي في الأصل أوروبية. وعلى هذا فإن توحيد أوروبا لابد وأن يكون بمثابة المثل المضروب لبقية العالم فيما يتصل بكيفية مواجهة الأخطار المتنوعة والأهوال التي تحف بالعالم اليوم.

الحقيقة أن الشروع في مثل هذه المهمة ـ والتي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بنجاح التكامل الأوروبي ـ يشكل إنجازاً حقيقياً صادقاً للحس الأوروبي بالمسئولية العالمية. وإن هذا ليعبر في النهاية عن استراتيجية أفضل كثيراً من المبادرة على نحو رخيص إلى تحميل أميركا المسئولية عن شتى المشاكل المعاصرة التي تواجه العالم.

Reprinting material from this Web site without written consent from Project Syndicate is a violation of international copyright law. To secure permission, please contact us.

Exit from comment view mode. Click to hide this space

Comments (0)

You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.

Show comments of
close

The two commenting options explained

Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.

1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.

2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.

Top Project Syndicate commentaries

Email this article

Your name is required.

Your email is required.


Your friend's name is required.

Your friend's email is required.


A message is required.