هناك سيناريوهان متعارضان تماماً لما يمكن أن يحدث لمعدل الفائدة الحقيقي العالمي في الجيل القادم.
يشير أولئك الذين يتنبأون بمعدلات فوائد منخفضة خلال الجيل القادم إلى النمو السريع في القدرة الإنتاجية والناتج الاقتصادي العالمي. وتبعاً لهذه النظرة فإن المشكلة الأساسية التي تواجهها البنوك المركزية لا تكمن في قمع الطلب في حالة تجاوزه للإمكانيات الموجودة، بل في تحفيز الطلب قدماً، لتراجعه متقهقراً بعيداً عنها. وهم يشيرون إلى حقيقة أن كبريات البنوك العالمية مثل الاحتياطي الفيدرالي، والبنك الأوربي المركزي وبنك اليابان قد بنت سياسات مضادة للتضخم شديدة الإحكام لدرجة استنزفت قيمة معدلات الفائدة فيها حتى النهاية.
ويؤكد المؤمنون بمعدلات الفائدة المنخفضة على الانتقال في توزيع الدخول في الولايات المتحدة الأمريكية من العمالة إلى رؤوس الأموال، الأمر الذي دفع المؤسسات بقوة نحو توظيف مصادرها في تمويل الاستثمارات الداخلية، وفي الابتعاد عن توظيف هذه المصادر في أسواق رؤوس الأموال. ويقول المؤمنون بالنظرية السابقة، تبعاً للبيئة التنافسية القوية التي تعصف بالاقتصاد، بأننا مقبلون على جيل من الأصول ذات الأسعار المرتفعة والفوائد الحقيقية المنخفضة على الاستثمار عالمياً.
وعلى النقيض يشير المؤمنون بالارتفاع العام لمعدلات الفوائد خلال الجيل القادم إلى معدلات الادخار الضعيفة في الولايات المتحدة، وإلى معدلات الإنفاق المرتفعة في أوروبا والتي تعود إلى الأعباء الديموغرافية المرتفعة التي تعاني منها أوروبا، وإلى حكومات معاقة تقود عجوزات مزمنة وسياسات مالية غير مستقرة أو مستدامة. تخيلوا مجموعة من الإداريين الحمقى الشبيهين ببوش، يخططون السياسات المالية.. للأبد!!
وتشير هذه الفئة إلى فرص الاستثمار في الأسواق الناشئة، ويؤكدون على الحقيقة شديدة الوضوح والتي تقول بتضاعف الوزن النسبي للاقتصاد الهندي والاقتصاد الصيني في العالم خلال العقد القادم أو ما يقاربه في حال استمر المسؤولون عنهما على السير في المسار الصحيح. وسوف يكون المقابل الطبيعي للنمو في الاقتصاد متمثلاً بارتفاع معدلات التبادل. وعاجلاً أم آجلاً؛ سوف تتضافر إغراءات فرص الاستثمار المحققة مع رغبة البنوك الصينية والهندية في كبح معدلات التبادل في سبيل دعم التصدير وفي سبيل تلبية رغبة الأغنياء من مواطنيهما في الاحتفاظ في حساباتهم مفتوحة في بنوك أمريكا. وتبعاً لهذا السيناريو فإن قيمة السندات في البلدان المتطورة سوف تتوجه نحو الانهيار، تماماً مثل ما يحصل الآن مع أسعار العقارات في كاليفورنيا و نيويورك ولندن.
ما الذي يتوجب على الاقتصادي فعله إذاً؟ إذا حاكينا الرد الطبيعي والمعتاد لجاي ب مورغان عندما يسأل عن أسعار السندات أو الصكوك أو معدلات الفائدة؛ فسيكون جوابنا بأن السوق متقلبة.
وفي حل آخر يمكننا أن نقتبس عن الراحل رودي دورنبوش الذي كان يعلّم قائلاً بأن الحمقى وحدهم من الاقتصاديين هم الذين يتنبأون بمعدلات الفائدة اعتماداً على القواعد الأساسية (الجوهريات). وذلك لأن الجوهريات متقلبة بطبيعتها. وقد حذر دورنبوش قائلاً: "حتى ولو فهم الاقتصادي الأمور الجوهرية بشكل صحيح إلا أن هذا لا يعني بأن السوق فهمها. إننا أثناء عملية التنبؤ بمعدلات الفائدة لا نختبر الجوهريات، ولكننا نتنبأ برأي السوق في ماهية هذه الجوهريات.
ولكن رودي لم يستمع أبداً لنصيحة نفسه. ولذلك اسمحوا لي بتقديم وجهة نظري، والتي أعتقد بأنها صحيحة بنسبة 60% على الأرجح. أنا أعتقد بأن معدلات الفائدة سوف ترتفع في الجيل القادم، وبأن الأسعار الحالية للسندات وأسعار العقارات لن تبقى على حالها. ولقد دفعتني أربعة معالم أساسية في السياسات المتبعة في العالم الحديث إلى رأيي السابق ويمكنني أن ألخص هذه المعالم بما يلي:
· في الولايات المتحدة، انهيار الناضجين من الجمهوريين في الكونغرس، المتمثل بالفشل المذهل للمحافظين الماليين في امتطاء أي معارضة فعالة للا استقرار المستمر والمتجدد في السياسات المالية والنقدية للولايات المتحدة الأمريكية الذي تتسبب به إدارة بوش. إذ تبدو السياسة المالية الرعناء التي كانت على عهد ريغان، مكوناً أساسياً في سياسات الجمهوريين، لا هفوة غير متعمدة؛ ويبدو أن هذا هو الأمر الذي تؤكد عليه الاتحادات الجمهورية الحاكمة كلما وصلت إلى السلطة.
· الإنهيار الموازي للتمثيل الجمهوري الناضج في القسم التنفيذي. وكما يقول رون سوسكيند في كتابه الأخير عن سيرة أمين الخزينة الأول في إدارة بوش ـ بول أونيل، فقد تحدث مدير ميزانية بوش السابق ميتش دانيالز مع نفسه بعد اجتماع كارثي قائلاً " ليست حقيبة جمهورية أبداً، ليست جمهورية على الإطلاق"!!. ولكن دانيلز قبل على نفسه بأن يترشح لمنصب في إنديانا على أن يدعم سياسة مالية عاقلة ومتزنة.
· فشل الحكومات الأوربية الغربية في التفكير حتى في البدء في التفكير بحلول لمواجهة الأزمة المالية المحدقة بمؤسسات التأمين الاجتماعي في أوروبا والناتجة عن ارتفاع معدل الأعمار بين السكان.
· عدم قدرة الحكومات الأوربية الغربية على القيام بعمليات إصلاح تحريرية فعالة تساعد على خلق إمكانية التوظيف الكامل، بالإضافة إلى فشل السياسات المالية للدول الأوربية الغربية في خلق واقع من التوظيف الكامل (أي في خفض معدلات البطالة إلى الصفر).
تحتاج وجهة النظر التي تتبنى معدلات الفائدة المنخفضة إلى جدارة من الحكومات في نظري، الأمر البعيد الاحتمال نظراً للأحزاب السياسية والبنى الحالية والهيئات والمؤسسات الموجودة المسؤولة عن بناء السياسات المالية. أتمنى أن أفاجأ. أتمنى أن تتصدى الحكومات في أمريكا وفي أوروبا لمسؤولياتها في خلق سياسات مالية مستقرة ذات معنى. ولكن هذا ما أتمناه، وليس ما أتوقعه.


Comments (0)
You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.
The two commenting options explained
Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.
1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.
2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.