Saturday, November 29, 2014
0

الانجراف مع الجولة الثانية من التيسير الكمي

نيويورك ـ تخيل أنك وقفت تحت الدش لكي تغتسل، وأدرت الصنبور فلم يخرج شيء. فاستدعيت السباك الذي أخبرك بأن المواسير مثقوبة في عِدة مواضع، وأن تغييرها وإصلاح المشكلة سوف يتكلف 1000 دولار، فإذا بك تطلب من السباك أن يزيد من ضغط المياه بدلاً من إصلاح المواسير.

هل يبدو هذا معقولا؟ حسنا، هذا هو المنطق وراء الجولة الثانية من التيسير الكمي التي تبناها مجلس الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة، فهي استراتيجية تتلخص في مواصلة ضخ الأموال في مواسير الاقتصاد إلى أن يبدأ الائتمان في التدفق بحرية من جديد من البنوك إلى قطاع الأعمال.

لا شك أنك لا تتوقع أن تنجح مثل هذه الاستراتيجية في حمامك، وليس هناك من الأسباب ما قد يجعلنا نتوقع نجاح نفس الاستراتيجية في سوق الإقراض التجاري. إن آلية انتقال الائتمان في الولايات المتحدة ـ وفي أماكن أخرى ـ قد تضررت بشكل خطير منذ عام 2007. وتعتمد الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم في الولايات المتحدة على البنوك الصغيرة والمتوسطة الحجم للحصول على الائتمان، ورغم ذلك فإن العديد من هذه البنوك لا تزال مثلها كمثل الموتى الأحياء، فهي عاجزة عن الإقراض لأن قوائمها المالية عامرة بقروض الرهن العقاري والقروض التجارية المعدومة منذ سنوات الازدهار.

وكان برنامج إغاثة الأصول المتعثرة في الولايات المتحدة بمثابة الفرصة لإرغام البنوك على التخلي عن الأصول السيئة ـ وبالتالي إصلاح مواسير الائتمان. ولكن ما حدث بدلاً من ذلك هو أن البنوك ألزِمَت فقط بتلقي دفعات من الأصول من الحكومة، والتي اعتبرتها أصولاً سامة على المستوى السياسي. ونتيجة لهذا فإن البنوك كانت تركز على إعادة أموال الإنقاذ في أقرب فرصة ممكنة، بدلاً من استخدامها لتعزيز الإقراض.

وكانت النتيجة النهائية، على الرغم من أن بنك الاحتياطي الفيدرالي خفض أسعار الفائدة على القروض القصيرة الأمد إلى الصفر، أن أغلب البنوك لن تقدم القروض إلا على أساس ضمانات أكبر كثيرا، وبأسعار فائدة حقيقية أعلى كثيرا، مقارنة بفترة ما قبل الانهيار. وعلى هذا فإن أميركا تتشبث الآن الخيار الرخيص المتمثل في الاستمرار في ضخ الأموال في مواسير الاقتصاد وانتظار ما قد يخرج منها.

لا شك أن شيئاً ما لابد وأن يخرج من المواسير، ولكن ليس بالضرورة إلى حيث ينبغي له أن يخرج. فقد رأينا بالفعل كيف تسربت السيولة المقصود منها دعم الإقراض المصرفي في الولايات المتحدة عبر الشقوق في المواسير إلى أسواق مختلفة مثل أسواق السلع الزراعية والمعادن، وديون البلدان الفقيرة.

واللافت للنظر في هذا هو أن بعض أبرز أنصار الجولة الثانية من التيسير الكمي يتصورون حقاً أنه لأمر جميل ومدهش أن ينشأ الطلب الجديد حيثما ينشأ. ذلك أن الطلب الإجمالي هو الأمر الوحيد المهم بالنسبة لأتباع جون ماينارد كينز. أما الاهتمام بتركيبة الطلب فهو في نظرهم أمر سخيف؛ فهو يؤدي فقط إلى تعقيد الحسابات.

والواقع أن بول كروجمان، رجل الاقتصاد الحائز على جائزة نوبل، والذي يوبخ بنك الاحتياطي الفيدرالي لأنه لم يفتح بوابات السد النقدي على مصراعيها، أوضح حماقة النهج الكينزي الفظ قبل ما يقرب من عشرة أعوام. ففي أغسطس/آب 2001، كتب: "إن القوة الدافعة وراء التباطؤ الحالي تتلخص في الهبوط الحاد الذي شهده الاستثمار في الأعمال التجارية". وأضاف: "ولكن إنعاش الاقتصاد لا يتطلب من بنك الاحتياطي الفيدرالي بالضرورة استعادة الاستثمار التجاري؛ بل إن أي شكل من أشكال الزيادة في الطلب سوف يكون كافيا. وبشكل خاص، قد تكون سوق الإسكان الحساسة إلى درجة كبيرة لأسعار الفائدة قادرة على المساعدة في تعزيز التعافي الاقتصادي".

وبعد مرور عام واحد، وحين رأي أن بنك الاحتياطي الفيدرالي لم يتحرك بالقوة الكافية، تكهن كروجمان بالتالي: "إن بنك الاحتياطي الفيدرالي يحتاج إلى الإنفاق بشكل مكثف على سوق الإسكان بهدف التعويض عن الاستثمار التجاري المحتضر. ولكي يفعل هذا فيتعين عليه أن يخلق فقاعة إسكان لكي تحل محل فقاعة ناسداك". ولقد تحققت أمنيته.

ولكن لا الولايات المتحدة، ولا العالم، يستطيع أن يتحمل المزيد. فمن غير الممكن أن نتوقع من العالم الخارجي، الذي يعتمد على الدولار كأداة تجارية أساسية ويعتبره بالتالي أصلاً احتياطيا، أن يراقب بكل سلبية في حين يستمر الدولار في الانهمار على العملات، والسلع الأساسية، وأسواق الأصول، وبلا نهاية واضحة في الأفق.

والواقع أن أوروبا ـ وألمانيا بشكل خاص ـ كانت شديدة الانتقاد للتوجه الأميركي القائم على وضع البنك المركزي في قلب استراتيجية التعافي. ولكن منطقة اليورو تفعل نفس الشيء.

ولنتأمل هنا شعوذة إنقاذ أيرلندا. لقد تأسست هيئة إدارة الأصول الوطنية الأيرلندية في عام 2009 بهدف تطهير القوائم المالية للبنوك الأيرلندية. ولكنها تفعل هذا بإعطاء البنوك سندات دين حكومية مبتكرة مؤخرا ـ وليس نقداً باليورو ـ في مقابل ديون مراوغة. ثم تلقي البنوك بسندات الدين الحكومية هذه إلى البنك المركزي الأوروبي، الذي يقدم النقود الحقيقية آنئذ.

وبما أن هيئة إدارة الأصول الوطنية الأيرلندية تقايض سندات الدين الحكومية بالديون المصرفية بنصف قيمتها الاسمية تقريبا، فإن هذه الصفقة الثلاثية قد تسفر عن خسائر رأسمالية تصل إلى يورو واحد عن كل يورو تحصل عليه البنوك من البنك المركزي الأوروبي. وبطبيعة الحال، قد يتطلب الأمر شطب سندات الدين المودعة لدى البنك المركزي الأوروبي الآن، الأمر الذي يهدد بتقويض القوائم المالية للبنك المركزي الأوروبي ذاته.

ولكن ما المنطق الذي تستند إليه هذه الدوامة المجنونة؟ إن البنوك الألمانية تحتفظ بما لا يقل عن 48 مليار يورو من الديون المصرفية الأيرلندية، وتحتفظ البنوك البريطانية بنحو 31 مليار يورو، وتحتفظ البنوك الفرنسية بنحو 19 مليار يورو أخرى. ومنذ يونيو/حزيران 2008، سحبت البنوك الألمانية والبريطانية والفرنسية 253 مليار يورو في هيئة ائتمان من البنوك الأيرلندية وغيرها من الجهات الأيرلندية المقترضة ـ 70% من مجموع الأموال الأجنبية. والآن تحاول السلطات في هذه البلدان وقاية بنوكها من الخسائر من خلال افتعال الاهتمام بمصير الحكومة الأيرلندية.

لعقود من الزمان، دأبت الولايات المتحدة وأوروبا على إلقاء المحاضرات على العالم حول أهمية تنظيف البيت من الداخل في أعقاب الأزمات المالية: وبشكل خاص إصلاح أو حل البنوك التي تعاني من الغيبوبة. ولقد حان الوقت الآن لابتلاع دوائنا المر واستئناف العمل الجاد في إصلاح أنظمتنا المصرفية. أما أن نعتمد بدلاً من ذلك على البنوك المركزية في إنعاش الاقتصادي في الولايات المتحدة وأوروبا فإن هذا يُعَد تخلياً عن المسؤولية على النحو الذي سوف يكلفنا غالياً في المستقبل.

  • Contact us to secure rights

     

  • Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

    Please login or register to post a comment

    Featured