Thursday, April 24, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

المشي مع العمالقة

باريسـ في أعقاب قمة مجموعة العشرين التي استضافتها مدينة بيتسبرج في العام الماضي، أصَرَّ المسؤولون الأوروبيون والأميركيون على أن عضوية مجموعة العشرين تفرض "مسؤوليات جديدة". ثم طالبوا صناع القرار السياسي في الأسواق العملاقة الجديدة بالمزيد من المشاركة في تصميم إطار اقتصادي عالمي جديد ـ مشيرين ضمناً إلى أن هذه القوى الاقتصادية الجديدة لم تشارك في هذه المهمة حتى الآن.

بيد أن الأدلة لا تدعم هذا الرأي. فقد لعبت البرازيل والصين والهند وكوريا والمكسيك بالفعل دوراً حاسماً في مجالين رئيسيين ـ نظام التجارة العالمي وإدارة الأزمة الاقتصادية العالمية؛ وما زال الحكم معلقاً فيما يتصل بمجال ثالث ـ تغير المناخ.

ويبدو أن قِلة من الناس يدركون حجم المساهمة الجوهرية التي قدمتها القوى الاقتصادية الناشئة في إنجاح النظام التجاري العالمي الحالي. فأثناء العقود الثلاثة الماضية، كان النجاح المذهل الذي حققته الصين في تحرير التجارة أقوى من كل مواعظ بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في إقناع البلدان النامية الأخرى بالمكاسب الناجمة عن التجارة.

وعلى نحو مماثل كانت الصين،بين أعضاء منظمة التجارة العالمية،صاحبة الالتزام الأعمق بتحرير الخدمات، ولقد أثارت الهند قضية التوسع في تحرير الخدمات، وكانت البرازيل حازمة في كسر الحماية الزراعية الأميركية والأوروبية. وأثناء المفاوضات المهمة التي أجرتها منظمة التجارة العالمية على المستوى الوزاري في يوليو/تموز 2008، كانت البرازيل المفاوض الأكثر نشاطاً وسيطرة على المواقف. ويعزو المراقبون فشل هذه المفاوضات عموماً إلى الهند والولايات المتحدة، ولكن يبدو أن أغلبهم يتفقون على أن مسؤولية الولايات المتحدة عن الفشل كانت أعظم.

وإذا تحدثنا عن إدارة الأزمات في أعقاب الانهيار المالي في عام 2008، فإن القوى الاقتصادية الناشئة لم تكن أقل اجتهاداً ونشاطاً من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ولم يكن تدهور الموازنة المالية الإجمالية في كوريا الجنوبية والصين والهند أقل شدة من التدهور الذي شهدته موازنات بلدان الاتحاد الأوروبي الأضخم حجماً. وكانت تدابير الاقتصاد الكلي التحوطية التي اتخذتها في عام 2009كافة القوى الاقتصادية الناشئة الرئيسية ـ باستثناء الهند والبرازيل ـ في مواجهة الأزمة لا تقل قوة وفعالية عن تلك التي تم اتخاذها في الولايات المتحدة وفي مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي.

وأخيراً وليس آخراً، امتنعت القوى الاقتصادية الناشئة الرئيسية عن زيادة الرسوم الجمركية، وكانت الإعانات التي قدمتهاحزم التحفيز في هذه البلدان للقطاع المصرفي وقطاع صناعة السيارات أقل كثيراً من تلك التي قدمتها حزم التحفيز لهذين القطاعين في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وكان الاستثناء الوحيد تدابير التحفيز الصينية الهائلة التي اتخذتها الصين، وهي التدابير التي سوف تشكل مصدراً للمتاعب في المستقبل وذلك نظراً لكونها سياسات صناعية إلى حدٍ كبير.

أما عن تغير المناخ فإن المواقف التي اتخذتها القوى الاقتصادية الناشئة كانت سلبية أو دفاعية حتى منتصف عام 2009. ولكن الهند بذلت الكثير من الجهد من أجل تغيير المزاج العام للمفاوضات حين أصبحت ناشطة في مناقشة قضية تغير المناخ أثناء فترة الإعداد لقمة كوبنهاجن التي انعقدت في ديسمبر/كانون الأول الماضي. وقبل الاجتماع مباشرة أعلنت الصين عن خفض كبير في الزيادة في الانبعاثات الكربونية، وإن لم يكن في المستوى الأساسي من الانبعاثات.

أما أداء بلدان أخرى بين أعضاء مجموعة العشرين، مثل الأرجنتين وإندونيسيا وجنوب أفريقيا وروسيا والمملكة العربية السعودية وتركيا، فكان أقل إقناعاً على المستوى الريادي. فقد كانت هذه البلدان أكثر تردداً في التعامل مع المساءل التجارية، وأكثر غموضاً في الإفصاح عن الأدوات التي اختارتها لإدارة الأزمة، كما ظلت عازفة عن التعامل مع القضايا البيئية. وهذه المواقف تعكس إلى حدٍ كبير أيضاً الأداء الاقتصادي الأقل إقناعاً لهذه البلدان.

إن الإسهام الكبير الذي قدمته القوى الاقتصادية الناشئة الرئيسية في صياغة الإطار الاقتصادي العالمي الجديد لا يعني أنها لا تواجه تحديات خطيرة. والواقع أن التفاوت الضخم في الدخول بينها وبين البلدان الغنية يهدد نموها واستقرارها السياسي في الأمد البعيد، بل وقد يعوق مشاركتاها المستقبلة في عملية مجموعة العشرين.

من المألوف في هذه الأيام أن ننظر إلى القواعد الدولية الأكثر صرامة باعتبارها "الحل" لأغلب المشاكل العالمية، ولكن هذه الاستراتيجية لا تتناسب مع التحول المستمر في العلاقات الاقتصادية الدولية. ذلك أن نشوء قوى عالمية جديدة، مصحوباً بتضاؤل نفوذ القوى الحالية، لا يدعو إلى فرض ضوابط أكثر صرامة. فمن المرجح أن تكون القوى العالمية الناشئة أقل ميلاً إلى تقبل القيود التي تنظر إليها باعتبارها نوعاً من الوصاية الأميركية أو الأوروبية. وفي الوقت نفسه فإن هذه القوى ما زالت بعيدة عن امتلاك القدرة على ممارسة الزعامة أو تقديم المزيد من الانضباط.

وهذا يعني أن بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لابد وأن تعمل كقدوة. ولكن ماذا يعني مثل هذا التوجه بعبارات واضحة؟ أولاً، يتعين على هذه البلدان، حين تأخذ على عاتقها إصلاح أطرها التنظيمية المحلية،أن تتجنب التقلبات الكبيرة بعيداً عن الأسواق الرشيدة المزعومة ونحو الحكومات الرشيدة المزعومة. بل يتعين عليها بدلاً من ذلك أن تعمل على تحسين نوعية التنظيمات، فضلاً عن تحسين سبل فرض هذه التنظيمات ومراقبتها. وبما أن التنظيمات تُعَد شكلاً من أشكال المنافسة بين الحكومات، فإن التركيز على تحسينها بشكل متزايد يشكل أفضل قنوات النفوذ المتاحة لدى بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

ثانياً، يتعين على بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن تبقي أسواقها مفتوحة، وأن تفتح تلك التي ما زالت مغلقة ـ في مجال الزراعة (وهو ما يشكل أهمية حاسمة في دعم نمو الأسواق الناشئة مثل الأرجنتين والبرازيل وإندونيسيا) أو في مجال الخدمات (الذي يشكل أهمية حاسمة لبلدان مثل الهند أو كوريا. وفي المقام الأول من الأهمية يتعين علينا أن ندرك أن مثل هذه المجالات تُعَد المفتاح الرئيسي لتوليد المزيد من النمو القائم على الأنشطة المحلية في كل الأسواق الناشئة. وكل هذا يعني ضمناً توفير قدر أعظم من الدعم من جانب بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وخاصة الولايات المتحدة، من أجل الوصول إلى خاتمة ناجحة لجولة الدوحة من مفاوضات منظمة التجارة العالمية.

في هذا العام سوف تتولى كوريا الجنوبية رئاسة مجموعة العشرين، وهي واحدة من أفضل البلدان أداءً أثناء الأزمة العالمية. ولا شك أن توفير الدعم القوي لمبادرات كوريا الجنوبية من شأنه أن يمنح بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية فرصة رائعة لكي تثبت للجميع أنها رغم فخرها باختفاء عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية فإنها لا تخشى العالم الجديد الآخذ في النشوء.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured