Monday, September 1, 2014
0

تحويل اتجاه كوريا الشمالية

سول ـ يبدو أن المفاوضات بشأن نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية بات على وشك أن يُستأنف. غير أن المحزن في الأمر أن هذه المفاوضات من غير المحتمل أن تنتهي في أي وقت قريب. ذلك أن الأحاديث عن ampquot;صفقة كبرىampquot; تظل مجرد ampquot;أحاديثampquot;.

إن الثقة بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان تكاد تكون منعدمة. ورغم أن الزعماء ـ بما في ذلك زعيم كوريا الشمالية كيم جونج إل ـ يؤكدون التزامهم  بنزع السلاح النووي في المناسبات العلنية، فإن لا أحد منهم يبدو مستعداً للمجازفة بالكثير في مجال السياسة الداخلية من أجل تحقيق هذه الغاية. لذا فإن أبعد ما يستطيع العالم أن يتمناه في الوقت الحالي هو إحياء الحوار، والتوصل إلى اتفاق حول تجميد محطة يونجبيون النووية في كوريا الشمالية، وربما أيضاً تعليق اختبارات الصواريخ والتجارب النووية.

وللتعجيل بهذه العملية فإن الأمر يتطلب وضع استراتيجية جديدة طويلة الأمد تستهدف العوامل الأساسية المؤثرة في كوريا الشمالية ـ وفي العلاقات بحكامها. والأمر يتلخص ببساطة في ضرورة سعي الولايات المتحدة وغيرها من القوى إلى إشراك كوريا الشمالية اقتصادياً لمساعدة النظام في تحقيق ampquot;القوة والازدهارampquot; من خلال التحول الاقتصادي والتكامل مع الاقتصاد العالمي.

إن المشاركة الاقتصادية البنّاءة سوف تفيد المواطنين العاديين في كوريا الشمالية، والذين عانوا كما عانى أي شعب آخر على ظهر الأرض منذ نهاية الحرب الباردة. إن السبب الرئيسي الكامن وراء المصاعب الاقتصادية التي تواجهها كوريا الشمالية هو عزلتها عن قوى العولمة، التي استفادت منها بلدان شرق آسيا بشكل خاص.

في أواخر تسعينيات القرن العشرين، وفي حين كان نمو الناتج المحلي الإجمالي في الصين وفيتنام يتسم بالسرعة البالغة، كانت كوريا الشمالية تشهد واحدة من أفظع المجاعات في التاريخ الحديث. واليوم تدير كوريا الشمالية اقتصاداً يكاد يعتمد على الكفاف ويبتعد كل البعد عن التصنيع. وأفضل أمل بالنسبة لأغلب الكوريين الشماليين يتلخص في اقتصاد السوق السري الذي يسد الفجوات في اقتصاد الدولة الموجه ونظام التوزيع العام. والواقع أن التجارة مع الصين تساعد في تزويد قوى السوق تلك بالسلع وفرص العمل عبر الحدود.

وبدلاً من الضغط على الصين لحملها على منع تدفق الوقود والغذاء عبر الحدود بغرض ampquot;تلقين بيونج يانج درساً قاسياًampquot;، فيتعين على الولايات المتحدة وحلفائها أن يجدوا السبل اللازمة لدعم تكامل اقتصاد كوريا الشمالية مع المنطقة. إن التصرف الأكثر فعالية من تجميد الحسابات وحظر سفر المسؤولين المرتبطين بالبرامج الصاروخية والنووية هو التعاون مع التكنوقراطيين الأحدث سناً في كوريا الشمالية، والمسؤولين المصرفيين والماليين، والمستشارين الاقتصاديين، لتحسين خبراتهم في إدارة التحول الاقتصادي لكوريا الشمالية.

لا شك أن إشراك كوريا الشمالية اقتصادياً لن يحل المعضلة النووية في الأمد القريب. فلن يتسنى تحقيق حلم نزع السلاح النووي في الجزيرة الكورية على نحو كامل ومستدام قبل أن تبدأ كوريا الشمالية بالفعل في التحرك في اتجاه النمو الاقتصادي والتكامل.

وسوف يطالب نظام كوريا الشمالية بأدلة واضحة تؤكد أن نموذج التنمية الآمن المزدهر غير النووي بات متاحاً له قبل أن يهجر برنامجه النووي. لذا، فبينما تمضي المحادثات قدماً يتعين على الولايات المتحدة وشركائها أن يسارعوا إلى مساعدة كوريا الشمالية في إرساء الأسس لاقتصاد سياسي جديد قائم على التجارة الدولية، والاستثمار، والتعاون، كبديل للنموذج الحالي المبني على بيئة أمنية عدائية. ويتعين علينا أن ننظر إلى عملية التحول الاقتصادي في كوريا الشمالية باعتبارها شرطاً أساسياً لنزع السلاح النووي بالكامل، بدلاً من مجرد التلويح بوعود المساعدات في مقابل نزع السلاح النووي.

بطبيعة الحال، سوف تظل بعض البنود الكبيرة في سياسة المشاركة الاقتصادية متوقفة على إحراز التقدم في الترتيبات الأمنية ومفاوضات نزع السلاح النووي في شبه الجزيرة. ولكن كوريا الشمالية والمجتمع الدولي بوسعهما الآن بالفعل اتخاذ بعض الخطوات الموضوعية.

ومن بين هذه الخطوات فتح القنوات الدبلوماسية والرسمية من أجل تحسين التفاهم المتبادل والمناخ العام للتبادلات؛ وتعزيز الحوارات الاقتصادية وورش العمل بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية؛ وتشجيع جامعات الولايات المتحدة، ومعاهدها البحثية، ومنظماتها غير الحكومية التي تتمتع بالخبرة في مجال التحول الاقتصادي والتنمية على إنشاء وتنمية الصلات مع النظراء في كوريا الشمالية؛ والسماح لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبنك التنمية الآسيوي بزيادة المشاركة مع كوريا الشمالية، بهدف منحها عضوية هذه المنظمات في نهاية المطاف.

أثناء الزيارة الأخيرة التي قام بها وفد رفيع المستوى من كوريا الشمالية إلى الولايات المتحدة، ظهرت إشارات مشجعة تفيد أن حكامها سوف يرحبون بزيادة الروابط الاقتصادية، بما في ذلك مع المؤسسات المالية الدولية. فضلاً عن ذلك فإن كوريا الشمالية تسعى بنشاط إلى اجتذاب الاستثمار الأجنبي. ولقد أعاد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي فتح مكتبه مؤخراً في بيونج يانج، وهي إشارة أخرى إيجابية لاستعداد النظام للعمل من أجل تحقيق أهداف الت��مية المشتركة.

لا شك أن المصادر الجديدة للنمو في كوريا الشمالية من الممكن أن تهدد المصالح الخاصة، الأمر الذي لابد وأن يؤدي إلى منافسات مؤسسية، وتوترات بين القطاعات المختلفة، أو ردة فعل عكسية محافظة. والنظام لا يريد بطبيعة الحال أن تسبق عملية الانفتاح الاقتصادي التدابير الأمنية وعملية التطبيع السياسي. ومن الواضح أن الدرس الرئيسي الذي استقاه قادة كوريا الشمالية من نجاح الصين هو أن الأمن (المساعي التي بذلها ماو تسي تونج لإقامة علاقات ودية مع الولايات المتحدة) لابد وأن يسبق التحول الاقتصادي (إصلاحات دنج شياو بينج وسياسة الانفتاح).

إن الترويج للمشاركة الاقتصادية البنّاءة سوف يكون صعباً خارج كوريا الشمالية. ففي الولايات المتحدة ينظر الناس إلى كوريا الشمالية في أغلب الأحوال من خلال منظور منع الانتشار النووي، والواقع أن الإدارة الجديدة تتوخى الحذر خشية التغرير بها إلى منح حكامها أي شيء من دون الحصول على المواد الانشطارية في المقابل. وفي كوريا الجنوبية تريد القاعدة السياسية التي يستند إليها الرئيس لي ميونج باك التراجع عن سياسة الشمس الساطعة وليس إعادة تنشيطها، وهناك شعور واسع النطاق (وإن لم يكن شاملاً) بالضجر والتبرم إزاء مسألة المشاركة.

وفي اليابان، يعمل الخوف من التهديد النووي الكوري الشمالي والغضب بسبب اختطاف المواطنين اليابانيين على توليد ضغوط سياسية قوية ضد محاولات إشراك كوريا الشمالية. والصين هي البلد الوحيد الذي ينفذ بهدوء نهجاً اقتصادياً بنّاءً في التعامل مع كوريا الشمالية. وبدلاً من الضغط على بكين لحملها على عزل كوريا الشمالية، فيتعين على الولايات المتحدة وحلفائها أن يحرصوا على مواصلة جهودهم الخاصة لإخراج كوريا الشمالية من عزلتها.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured