باريس ـ بعد مرور ما يقرب من الخمسين عاماً منذ أسس الجنرال تشارلز ديغول الجمهورية الخامسة، يسعى نيكولا ساركوزي الآن إلى تغيير المؤسسات الرئيسية في فرنسا. ومن المقرر أن يرسل إليه مجلس من الخبراء مقترحاته في هذا الشأن في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2007.
بينما تنعم العملية الديمقراطية في بريطانيا بقدر عظيم من الرسوخ على الرغم من دستورها ampquot;غير المكتوبampquot;، وبينما لم تُـدخِل الولايات المتحدة على دستورها سوى 26 تعديلاً منذ العام 1787، فقد أعادت فرنسا كتابة دستورها بالكامل خمس عشرة مرة منذ العام 1789. وكانت الجمهورية الثالثة (1875-1940) هي الوحيدة التي تجاوزت فترة ولايتها مدة حكم الجمهورية الخامسة الحالية.
ظلت مؤسسات الجمهورية الخامسة، التي أنشأها ديغول على نحو متعجل في العام 1958، في خضِم الأزمة الجزائرية، عُـرضة للانتقادات الشديدة منذ اليوم الأول. ولم تهدأ حدة الخصومة التي شعر بها اليسار تجاه الجمهورية الخامسة، التي فُـصِّلت بحيث تتناسب مع شخصية ديغول العملاقة، إلا في العام 1981 حين نجح فرانسوا ميتران ، وهو واحد من أصحاب أعلى الأصوات المعارضة لديغول، في الانتفاع من السلطة التي حصل عليها بموجب منصبه كرئيس لفرنسا.
ومنذ ذلك الوقت نشأ إجماع لصالح البنية الدستورية التي تأسست في العام 1958، وذلك لأنها نجحت في تزويد فرنسا بسلطة تنفيذية قوية كانت تفتقر إليها دوماً. كما أثبت دستور ديغول قدراً كافياً من المرونة للسماح لفرنسا بالتغلب على العديد من الأزمات ـ أزمة الجزائر، وأزمة مايو/أيار 1968، واستقالة ديغول ، وتغيير الحكومات من اليمين إلى اليسار، والخصومة القائمة بين الرؤساء من جناح اليسار وبين رؤساء الوزارة من جناح اليمين، أو العكس (ampquot;التعايشampquot;)، كما حدث في الأعوام 1986، و1993، و1997.
ولكن على الرغم من نصف قرن من الاستقرار السياسي، إلا أن الترتيبات المؤسسية التي تتبناها الجمهورية الخامسة أصبحت عُـرضة للانتقادات المتزايدة. ويعزو بعض المحللين الشلل السياسي الظاهري الذي تعاني منه فرنسا إلى الطبيعة المختلطة لنظام ديغول . فلم يكن ذلك النظام رئاسياً (فهو يقضي بأن يكون رئيس الوزراء مسئولاً أمام البرلمان الوطني، في حين أن هذه المسئولية لا وجود لها طبقاً للنظام الرئاسي)، ولم يكن برلمانياً (حيث يتم انتخاب الرئيس عن طريق الاقتراع المباشر، ويتمتع الرئيس بقدر كبير من السلطات والصلاحيات)، الأمر الذي أدى إلى تعرض هذا النظام لفترات متكررة من ampquot;التعايشampquot;، وهو المبدأ الذي أثبت عدم فعاليته عموماً.
ويعتقد آخرون أن المؤسسات الفرنسية الحالية تشكل السبب الرئيسي، إن لم يكن الوحيد، وراء الأزمة الديمقراطية الناشئة. فقد أصبح انعدام الثقة في الساسة في تصاعد مستمر، ولقد تجلت أزمة الثقة هذه في الإقبال الضعيف على صناديق الاقتراع (باستثناء الانتخابات الرئاسية الأخيرة)، وفي التصويت لصالح الأحزاب المتطرفة على سبيل الاحتجاج، وعجز الدولة عن إصلاح ذاتها. ولقد تجسدت كل هذه الميول السلبية في نجاح جان ماري لوبان في بلوغ الجولة الثانية من انتخابات العام 2002 الرئاسية.
منذ تأسست الجمهورية الخامسة تعرض المجتمع الفرنسي والعالم لتغيرات هائلة. وهي التغيرات التي خلفت عواقب ذات شأن فيما يتصل بالأسلوب الذي تُـحكَم به البلاد. فقد تسببت العولمة في تقييد حرية الدولة في الحركة، فضلاً عن اكتساب الاتحاد الأوروبي المزيد من الأهمية.
تُـرى هل يعني هذا أن الجمهورية السادسة باتت أمراً محتوماً؟ يقترح بعض المنتقدين التحول نحو النظام الرئاسي البحت على غرار الولايات المتحدة، ما دام الرئيس ينتخب عن طريق الاقتراع المباشر. وثمة آخرون يؤيدون التحرك نحو النظام البرلماني البحت على غرار المملكة المتحدة.
إلا أن النظام الرئاسي يشتمل على خطر الوصول إلى طريق مسدود بين الهيئة التنفيذية والهيئة التشريعية، أما النظام البرلماني البحت، كذلك النظام الذي طبقته الجمهورية الثالثة، فإن سجله حافل بالفشل في فرنسا. فضلاً عن ذلك فإن فرنسا لا تبدو مستعدة لتأييد نظام يعتمد على أسلوب اقتراع الأغلبية البسيطة، والذي يمنح الحكومات أغلبية برلمانية قوية، كما هي الحال في المملكة المتحدة.
ويبدو أن ساركوزي يرجح تجديد الجمهورية الخامسة. فهو يميل إلى التوجه الرئاسي القوي الذي يوفره النظام الحالي، وخاصة بعد تخفيض مدة الرئاسة من سبع سنوات إلى خمس، وبعد أن أصبحت مدة ولاية الرئيس الآن متزامنة مع الدورة الانتخابية التشريعية.
إلا أن ساركوزي يميل أيضاً إلى إنشاء روابط مؤسسية قوية بين الرئاسة والبرلمان. على سبيل المثال، قد يرغب ساركوزي في مخاطبة البرلمان مرة في العام، وهو ما يمتنع عليه طبقاً للنظام الحالي، نظراً لمسئولية رئيس الوزراء وحده أمام البرلمان. وعلى نحو مماثل، قد يرغب في فرض نظام يسمح للشخص الواحد بتولي الرئاسة مرتين فقط، وأن يطالب بموافقة البرلمان على تعيين الرئيس لبعض كبار المسئولين.
الحقيقة أن التغييرات المقصود بها تصحيح الخلل في التوازن بين السلطة الرئاسية والسلطة البرلمانية مطلوبة وضرورية. ولابد وأن يكون للهيئة التشريعية ثِـقل أعظم في وضع الأجندة التي تتبناها الدولة.
ولتعزيز هذا التوازن المؤسسي الجديد، يفكر ساركوزي في تزويد المعارضة بوضع رسمي، وبهذا تتحول إلى سلطة حقيقة بديلة. كما يرغب في مراجعة الفقرة 16 من الدستور، والتي تمنح الرئيس صلاحيات إضافية في وقت الأزمات. ويفكر ساركوزي أيضاً في تحويل المحكمة الدستورية الحالية إلى محكمة عليا يستطيع المواطنون اللجوء إليها في ظل ظروف معينة، كما يفكر في التنازل عن صلاحية الرئيس في ترأس المجلس الأعلى للقضاء.
لا أحد يستطيع أن يتكهن بما سيتوصل إليه مجلس الخبراء الذي عينه ساركوزي لدراسة هذه التغييرات الدستورية. وهذا المجلس يتألف من أعضاء منتمين إلى الأغلبية والمعارضة على السواء، الأمر الذي يجعل وجهات نظرهم متباينة للغاية فيما يتصل بهذه القضايا.
ولكن إذا ما علمنا أن الغالبية العظمى من عامة الناس يؤيدون المبادئ الرئيسية التي تتبناها الجمهورية الخامسة ـ مثل الانتخاب المباشر للرئيس والهيئة التنفيذية القوية ـ فسوف يتبين لنا أن أي محاولة لتغيير توازن المؤسسات السياسية الفرنسية ليس من المرجح أن تحقق نجاحاً كبيراً في تغيير البنية الأساسية لدستور 1958. فضلاً عن ذلك فإن أي تغيير دستوري لابد وأن يحظى بموافقة 60% على الأقل من مجموع الأصوات في كل من البرلمان ومجلس الشيوخ. الأمر الذي يزيد من أهمية البحث عن الإجماع.


Comments (0)
You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.
The two commenting options explained
Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.
1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.
2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.