5

أوروبا والخطأ الجسيم التالي

برينستون ــ في بناء الاتحاد النقدي الأوروبي، لم يفكر الزعماء السياسيون في كل العواقب والتأثيرات المحتملة، الأمر الذي أدى إلى عيوب كبرى في التصميم. والأسوأ من هذا أن الأمر يبدو وكأنهم لم يتعلموا من هذه التجربة، فهم على وشك سلوك نفس النهج في التعامل مع النظير السياسي للاتحاد النقدي.

إن منطق الأزمة المالية يدفع الأوروبيين نحو المزيد من التكامل، وهو ما يعني ضمناً آليات جديدة للتعبير السياسي. قبل الأزمة بفترة طويلة، كان العديد من المراقبين يرون أن الاتحاد الأوروبي يعاني من "عجز ديمقراطي". الآن، وبينما يلقي العديد من الأوروبيين باللوم على الاتحاد الأوروبي عن تدابير التقشف المؤلمة، فقد أصبحت هذه الشكوى أكثر قوة ــ ويعتقد زعماء أوروبا السياسيون أنهم لابد أن يتحركوا الآن للتصدي لها.

ولكن من المؤسف أن أوروبا تواجه عجزاً آخر: الافتقار إلى الزعامة السياسية. فلن نجد للشخصيات الكاريزمية التي ظهرت في منتصف القرن العشرين ــ تشرشل، وكونراد أديناور، وديجول ــ مثيلاً معاصرا. إن المواطنين الأوروبيين يربطون الاتحاد الأوروبي بالشيخوخة البيروقراطية والعقلانية التكنوقراطية في المقام الأول.

والآن يستجيب المسؤولون الأوروبيون لهذا العجز بمبادرة لإصلاح المفوضية الأوروبية وإضفاء الطابع الديمقراطي عليها. ويقترح رئيس المفوضية الحالي خوسيه مانويل باروسو أن الأحزاب السياسية ذات التوجهات الإيديولوجية المتشابهة والتي تخوض انتخابات البرلمان الأوروبي المقبلة لابد أن تكثف من تعاونها في إطار "الأسر" السياسية التي ستتولى مجتمعة اختيار المرشحين لرئاسة المفوضية. وسوف تشعر هذه الأسر وكأنها تعين حكومة. وسوف يكون لزاماً على الساسة أن يعملوا على تعزيز كاريزميتهم حتى يتم انتخابهم.

وقد لاقى هذا النهج الدعم من قِبَل شخصيات لامعة مثل رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير. ولأن هذا النهج لا ينطوي على أي خسارة حقيقية بالنسبة للحكومات الوطنية، فقد اكتسب قدراً معيناً من القبول ويبدو أقرب إلى التنفيذ. ولكن هذا لا يجعل منه فكرة جيدة. ذلك أن الاحتياج إلى توجيه الأسر السياسية القائمة في أوروبا نحو نظام يتألف من حزبين، الأول يضم الديمقراطيين الاجتماعيين والثاني "أحزاب الشعب"، يمثل إشكالية عميقة بشكل خاص.

نشأ النموذج البرلماني الثنائي الحزبية في بريطانيا في القرن التاسع عشر. وكان الناخبون يختارون ممثلاً لمجلس العموم فقط، ثم يعين حزب الأغلبية رئيس الوزراء. تدور الأوبرا الهزلية البريطانية المعاصرة "لولانث" حول حقيقة مفادها أن "كل من يولد في العالم حياً فإما أن يكون ليبرالياً بعض الشيء أو محافظاً بعض الشيء". ولكن ماذا لو لم يكن الجميع يولدون على هذه الشاكلة؟

في النموذج البريطاني المستقر، إذا كان أبدى أحد الأحزاب السياسية قدراً مبالغاً فيه من الراديكالية، فهذا يعني أنه سوف يخسر الوسط السياسي في الانتخابات التالية. والواقع أن المنافسة بين الأحزاب مفيدة إلى حد كبير، ولو أن هناك ميلاً متأصلاً إلى البحث عن الحلول التي تتطلب إجماعاً واسعاً على الصعيد الاجتماعي. ولكن مثل هذه النتيجة المؤسسية ليست حتمية (وربما لم تعد قادرة على البقاء حتى في بريطانيا المعاصرة).

كان المحامون البريطانيون مغرمون بتوصية دول أخرى باتباع هذا النموذج. وكانوا مقنعين بشكل خاص في المستعمرات البريطانية السابقة، ولاسيما في الدول الأفريقية التي نالت استقلالها حديثا. وكان النتائج مأساوية. فلم يكن بوسع المواطنين أن يفهموا لماذا يتعين عليهم أن يصفوا ميولهم السياسية على طول طيف بسيط يتألف من يمين ويسار. وبدلاً من هذا، كانت السياسة غالباً تخضع لعملية إعادة الصياغة بما يتفق مع التوترات القديمة بين الجماعات أو الأعراق المختلفة.

ولا تُعَد الولايات المتحدة المعاصرة أيضاً بمثابة استعراض مقنع بأن المنافسة بين حزبين قد تؤدي إلى زيادة الاعتدال والوسطية السياسية. بل إن الأمر على العكس من ذلك تماما، فالصراع الحزبي من الممكن قد يصب في مصلحة المتطرفين في الأحزاب المتنافسة.

الواقع أن فرضية اعتدال الحزبين لن تكون منطقية إلا إذا كانت الاختلافات الرئيسية تتعلق بتفضيلات إعادة التوزيع في نموذج بسيط يدفعه نوع شبه ماركسي من الحتمية الاقتصادية. فالحزب اليساري يريد قدراً أعظم من إعادة توزيع الثروة والدخل، في حين يريد الحزب اليميني قدراً أقل؛ ولكن كلاً منهما يضطر إلى كبح جماح نفسه، وفي التوجه إلى الناخب المتوسط، فإنهما يتحولان إلى بديلين شبه متطابقين.

ولكن في عالم مترابط، تطورت سياسة جديدة، حيث يخشى كل من اليسار واليمين أن تعمل المنافسة الخارجية أو النفوذ الخارجي على الحد من قدرته على صياغة الاختيارات السياسية. وهنا يصبح خيارهم السياسية الرئيسي مقاومة هذه التهديدات الخارجية، ويصبح الاستقطاب القديم بين اليسار واليمين معَطَّلا.

ومن شأن العمل على خلق انقسام سياسي جديد بين اليسار واليمين أن يخلق صراعات جديدة ــ ويزيد من حدة الصراعات القديمة ــ بشأن إعادة التوزيع. والشيء الوحيد الذي قد يجعل اليسار متماسكة يتلخص في الزعم بأن المزيد من إعادة التوزيع أمر ضروري: ولكن لصالح من، ووفقاً لأي آلية؟

وليس من الواضح ما إذا كان الاشتراكيون في أسبانيا لديهم قواسم مشتركة مع الديمقراطيين الاجتماعيين في ألمانيا أكثر من تلك التي تربطهم بإخوانهم في الوطن. والأرجح أن كل تجمع إيديولوجي سوف ينقسم إلى فصائل وطوائف على طول خطوط وطنية معقدة ــ ومن المرجح أن تنعكس الانقسامات في المنافسة الناتجة عن هذا سعياً إلى اكتساب القدر اللازم من الكاريزمية. وبدلاً من تشجيع ظهور تشرشل أو أديناور جديد، فإن النتيجة قد تكون مقلدين جدد لهتلر وستالين.

ولكن هناك نموذج أفضل، نوع ينشأ في أنابيب اختبار متنوعة لغوياً وثقافياً ودينياً في قلب أوروبا الجغرافي: النموذج السويسري. ففي النظام السويسري، تتنافس عدة أحزاب، ولكنها لا تهدف إلى السيطرة على الحكومة بشكل كامل. بل تمثل كل الأحزاب الكبرى بدلاً من هذا في الحكومة، فتضطر بالتالي إلى التوصل إلى حلول وسط. ويتحرك أعضاء الحكومة الفيدرالية مدفوعين بولاء إقليمي في بعض الأحيان، وبالتزامات إيديولوجية في أحيان أخرى؛ وكلها لابد أن يتم التفاوض عليها عند اتخاذ القرارات.

إن الحل السويسري المتمثل في انتخاب حكومة شاملة ومتوازنة يميل إلى إنتاج سياسة مملة وغير ملهمة. حتى أن قِلة من الناس ربما يعرفون من يتولى الرئاسة السويسرية الدورية السنوية.

إن الساسة الكاريزميين يعملون من خلال الاستقطاب، والشحن، وتعبئة الأنصار؛ أما السياسة الروتينية فهي تتطلب على النقيض من هذا البقاء بعيداً عن الأنظار والاستعداد لتقديم التنازلات وتغليب الحلول الوسط. واليوم لا تحتاج أوروبا إلى زعماء ملهمين قادرين على إثارة موجة من الشعوبية، بقدر ما تحتاج إلى زعماء يحظون بالاحترام على الصعيد المحلي وقادرين على العمل في عالم سياسي معقد ومتعدد الأبعاد.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel