Monday, September 22, 2014
8

علاج التقشف الخطأ

بيركلي ــ لم يكن الإسراف المالي سبباً في اندلاع أزمة الديون السيادية التي تجتاح أوروبا الآن، ولن يحل التقشف المالي هذه الأزمة. بل إن الأمر على العكس من ذلك تماما، فقد تسبب هذا التقشف في تفاقم الأزمة، ويهدد الآن بإسقاط اليورو ودفع الاقتصاد العالمي إلى هاوية أخرى.

في عام 2007، كانت أسبانيا وأيرلندا بمثابة النموذج للاستقامة المالية، فكانت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في الدولتين أقل كثيراً من نظيرتها في ألمانيا. ولم يشعر المستثمرون بالقلق إزاء خطر العجز عن سداد الديون السيادية الأسبانية والأيرلندية، أو الدين السيادي الضخم المستحق على إيطاليا. والواقع أن إيطاليا كانت تتباهى بأدنى نسبة عجز إلى الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو، ولم تجد الحكومة الإيطالية أي مشكلة في إعادة التمويل بأسعار فائدة جذابة. وحتى اليونان كانت قادرة على اجتذاب رؤوس الأموال التي تحتاج إليها، على الرغم من تآكل قدرتها التنافسية بسرعة ومسارها المالي غير المستدام.

بعد انخداعهم بالتقارب بين عائدات السندات الذي أعقب إطلاق اليورو، غذى المستثمرون طفرة الائتمان في القطاع الخاص والتي دامت عقداً كاملاً من الزمان في الدول الأقل تقدماً الواقعة على أطراف أوروبا، ولم ينتبهوا إلى الفقاعات العقارية في أسبانيا وأيرلندا، وانزلاق اليونان إلى الإفلاس. وعندما تباطأ النمو بشكل حاد وانهارت التدفقات الائتمانية في أعقاب الركود العظيم، انخفضت إيرادات الموازنة إلى أدنى مستوياتها، واضطرت الحكومات إلى تعميم ديون القطاع الخاص، وارتفعت مستويات العجز المالي والديون إلى عنان السماء.

وباستثناء اليونان فإن التدهور في التمويل العام كان عرضاً للأزمة، وليس السبب الذي أدى إليها. فضلاً عن ذلك فإن التدهور كان متوقعا: فالتاريخ يبين أن المخزون الحقيقي من الدين الحكومي ينفجر في أعقاب الركود الناجم عن الأزمات المالية.

وفي تجاهل واضح للدلائل، أخطأ الزعماء الأوروبيون بقيادة ألمانيا تشخيص المشكلة فاعتبروها ناجمة عن الإسراف المالي وقرروا أن التقشف المؤلم هو العلاج الوحيد لها. ووفقاً لوجهة النظر هذه فإن الخفض الكبير والسريع للعجز الحكومي والديون يشكل شرطاً مسبقاً لاستعادة مصداقية الحكومة وثقة المستثمرين، ووقف انتشار العدوى، وخفض أسعار الفائدة، وإنعاش النمو الاقتصادي.

وهناك أيضاً جانب الخطر الأخلاقي في حجة التقشف: ذلك أن تخفيف شروط السداد المفروضة على الحكومات المسرفة لن يشجع إلا السلوك المتهور في المستقبل ــ أي أن التسامح مع خطايا الماضي يديم الخطيئة. ولا ينبغي للدائنين المستقيمين أن ينقذوا المقترضين غير المسؤولين، سواء كانوا من القطاع الخاص أو العام. ومن هذا المنظور فإن التقشف ضروري وتكفير عادل عن خطايا المسيئين من أمثال اليونان وأسبانيا وإيطاليا.

ولكن التقشف غير مُجد؛ بل إنه هدام. ففي الأمد القصير إلى المتوسط، ينتهي خفض العجز والديون الحكومية ــ سواء كان ذلك في هيئة خفض للإنفاق الحكومي أو زيادة الإيرادات ــ إلى انخفاض الناتج والعمالة، وهو ما يعني انخفاض تحصيل الضرائب، وارتفاع العجز، وزيادة نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي. ويدرك المستثمرون المخضرمون، مثلهم كمثل الناخبين المحبطين، أن انخفاض النمو وارتفاع معدلات البطالة يعملان في واقع الأمر على تضخيم العجز والإضافة إلى الدين في الأمد القريب. لهذا السبب، وبعد أكثر من عامين، تتجه أسعار الفائدة نحو الارتفاع وليس الانخفاض، في البلدان التي سحقتها تدابير التقشف المرهقة.

في الواقع، لا توجد علاقة بسيطة بين حجم عجز أو دين حكومة ما وبين سعر الفائدة الذي يتعين عليها أن تدفعه. والآن تعرض سندات الحكومة البريطانية أسعار فائدة أدنى كثيراً من تلك التي تقدمها فرنسا أو إيطاليا أو أسبانيا، ولو أن موقف المملكة المتحدة أسوأ كثيرا.

إن اليونان واقعة في فخ ديون كلاسيكي، مع ارتفاع أسعار الفائدة على ديونها العامة إلى مستويات تتجاوز معدل نموها بهامش كبير؛ وتترنح أسبانيا على حافة الهاوية. لقد أكَّد التقشف في أوروبا تحذيرات صندوق النقد الدولي من أن المبالغة في خفض العجز والديون من شأنها أن تضعف النشاط الاقتصادي، وتقوض ثقة السوق، ويقلص الدعم الشعبي لعملية التعديل والتسوية.

وفي الأمد البعيد، تفرض العديد من بلدان منطقة اليورو، بما في ذلك ألمانيا، شرط ضبط الأوضاع المالية من أجل تثبيت استقرار وخفض نسب الدين إلى الناتج المحلي. ولكن هذه العملية لابد أن تكون تدريجية ومؤخرة ــ مع حدوث قسم كبير من عملية ضبط الأوضاع المالية بعد عودة اقتصادات أوروبا إلى مسار النمو المستدام.

وتشكل الإصلاحات البنيوية أيضاً ضرورة في أغلب الاقتصادات الأوروبية لدعم القدرة التنافسية وتعزيز النمو المحتمل. ولكن مثل هذه الإصلاحات تستغرق وقتاً طويلا: يبدو أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل نسيت أنها استغرقت أكثر من عقد من الزمان وتطلبت ما يقرب من 2 تريليون يورو (2,5 مليار دولار) في هيئة إعانات دعم قبل أن تتمكن الإصلاحات البنيوية من جعل ألمانيا الشرقية السابقة قادرة على المنافسة مع بقية البلاد.

إن رئيس الوزراء الإيطالي ماريو مونتي والرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند محقان: فأوروبا تحتاج إلى سياسيات جريئة جيدة التنسيق لتشجيع النمو، إلى جانب الإصلاحات البنيوية القائمة على السوق لتعزيز المنافسة وتيسير الأهداف المالية إلى أن يتعافى الناتج وتشغيل العمالة.

ولكن كيف يمكن تمويل مبادرات النمو الجديدة المهمة؟ الواقع أن بقية أوروبا لا يمكنها إحراز النجاح في استعادة النمو من دون ألمانيا، وتظل ألمانيا متمسكة بعلاج التقشف.

وفي ظل عجز مالي متواضع، وتكاليف اقتراض منخفضة إلى مستويات قياسية، وفائض ضخم في الحساب الجاري، فإن ألمانيا تمتلك قوة مالية تمكنها من تقديم حوافز كبيرة. ولكن ألمانيا لا ترى ضرورة لتحفيز اقتصادها، وهي على استعداد للنظر فقط في تدابير متواضعة على مستوى منطقة اليورو، مثل تقديم رأس المال الإضافي إلى بنك الاستثمار الأوروبي، وإطلاق برنامج تجريبي صغير لإصدار "سندات مشروع" الاتحاد الأوروبي للاستثمار في البنية الأساسية، وزيادة سرعة نشر أموال الاتحاد الأوروبية البنيوية غير المنفقة. وترفض ألمانيا مجرد السماح بإعفاء الإنفاق على مشاريع البنية الأساسية ذات الأولوية القصوى من أهداف العجز غير الواقعية التي حددها "الميثاق المالي" الجديد للاتحاد الأوروبي.

وعلى الرغم من المناشدات من جانب صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن ألمانيا تصر أيضاً على معارضتها الحازمة لسندات اليورو، والتي قد تخفف من القيود المفروضة على التمويل من جانب دول منطقة اليورو الأخرى وتعزز موارد آلية الاستقرار الأوروبي، التي لا توفر في الوقت الحالي جدار حماية يتمتع بالمصداقية الكافية ضد الفرار من الديون السيادية الأسبانية أو الإيطالية ــ أو من البنوك الأوروبية التي تحتفظ بها. والواقع أن الأزمة المصرفية المتفاقمة، إلى جانب هروب الودائع من الدول الواقعة على أطراف منطقة اليورو، من شأنها أن تُحكِم الخناق على فرص النمو في أوروبا.

لعل الأوان قد فات الآن لإنقاذ اليونان. ولكن التحول نحو السياسات الكفيلة بتعزيز النمو، ودعم هذه السياسيات بتخفيف أهداف العجز وإصدار سندات اليورو، يشكل ضرورة أساسية لمنع أوروبا من الانزلاق إلى هاوية الركود المستمر، وتثبيت استقرار الأسواق المالية في أوروبا، ومنع حالة ارتباك أخرى تشل حركة أسواق رأس المال العالمية.

ترجمة: أمين علي          Translated by: Amin Ali

Hide Comments Hide Comments Read Comments (8)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedRoss Clem

    The ability of government to repay its debt determines the interest rate on its debt. Government must increase its income by increasing revenue based upon the growth of the private sector; or it must reduce the cost of government.


  2. Commentedjracforr jracforr

    The first sentence of this article stated that fiscal recklessness was not the cause of the debt crisis and it gave examples of the well managed !!?? Spanish and Irish governments. By the third paragraph it gave blatant examples of fiscal recklessness taking place in these countries, which created the the real-estate bubble.
    The governments of these countries derived tax revenues from these speculative investments done by the private sector and were conveniently blind to the
    looming danger they posed .
    The " governments were forced to socialize private-sector liabilities " when the speculative boom collapsed.
    " From this perspective austerity is the necessary and just penance for reprobates like Greece ,Spain and Italy'
    While this approach maybe morally correct it is economically suicidal as the article makes clear, so some burden sharing is inevitable.

  3. CommentedJephtah Lorch

    I beg to differ with Ms Tyson on the basics of the European (and not only) fiscal problem.

    The term 'growth' is used far to easily. Growth depends on household consumption, what is manufactures, shipped, serviced, etc. Yet, household spending is shrinking and has been doing so for many years. This is especially true in Europe where the population is getting older, birth rates are under 1.8 pointing at an inevitable future shrink, many immigrants are net expenses and, very important, a massive shift of jobs to SE Asia took place.

    I fail to understand how investments in infrastructure will provide more future jobs: people lack financial resources to use such infrastructure, it creates only short term government spending (serving very specific sectors), boosts profits of infrastructure contractors and return some of the government's funds as taxes. This will not create long term increase of all households income and respective cosumerism that fuels growth.

    Issuing EURO Bonds is another laundered way to increase public debt. Public debt is huge as is, especially when compared to long term earning potential in shrinking populations and economies. These will affect GDP's mostly due to internal cash transfer 'inside the family', rather than from real manufacturing, production and exports.

    Economists, who don't want to be carriers of bad news, need to face the fact that this balloon has inflated to its limits much like Japans 1990s' real-estate crash which froze the economy for over a decade. A new order will come to life and should be put in place. It should avoid repeating the errors that brought us to where we are. It should consider the realistic posibilty that economies will shrink, standard of living will be reduced and that globalization shifted riches from west to east.

  4. CommentedTh Hsu

    There seems to be an interesting gap between the underlying issues and proposed cures.

    Spain's growth was built on an unsustainable increase in real estate "value". Italy and France's economy are overloaded with regulations and a costly public service. Greece simply cheated it's neighbours throughout years. And Germany was happy too to increase debt beyond agreed levels when needed. So where is the solidarity aspect which has been so oft brought up by the EU leaders? It seems that in this UNION, everyone has been (and will be) maximizing their local interests.

    If this is the underlying problem, it is hard to believe that neither austerity nor the growth "concept" will be a sustainable solution.

    This crisis is an example to the thesis that in the real world, fiscal and monetary union are two parts of the same coin. Pull them apart and ...

  5. CommentedHelmut Kirchner

    Just some info from ITALY

    Nowadays it is usual to say that austerity is the wrong cure that worse the disease. For what I see in Italy I do not see any "austerity". This word, long time ago, means spending more wisely and do more with less.

    What I see in Italy is the same level and the same low quality of public spending but a new and extreme, I repeat extreme fiscal pressure.

    So there is no way to recover! In fact Italy is already in a depression even if no one dime of public spending has been reduced.

    Sorry, but the Germans are right.



  6. CommentedJames Edwards

    In response to Mark Pitts

    While it is true that most of these countries are in need of reform on a range of issues however when you get into the issue of politics, the tendency to skirt responsibility is magnified by the desire to win and pin blame on the other side.

    You ignored the cause of the problem in the first place and that problem stems from issuance of easy credit to finance whatever the wants are which Ms. Tyson addressed here and that has been going on since the late 1980s until the bubble popped in 2007. Many of the banks and Wall Street were eager to do it because it offers them opportunities to make money and securitization provided the avenue to generate all kinds of variable products never mind the risk because it is someone else's problem to solve hence why many governments bailout their financial institutions because letting it fail will cause a bigger problem. What I don't see is the needed reforms the banks should be imposing on itself to correct the defect they created in the first place. Just like Ms Tyson stated: the deterioration was predictable.

    I can understand Germany's view that needed reforms are needed however the EU consist of rich and poor nations, just like what we have in the US but on a different level however the each of the countries are wedded to the Euro and they can not do anything beyond making painful adjustment which is why Merkel's party lost two state elections and Mr. Hollande's victory caused her of modify her stance just to keep the Euro intact. Germany's solution sounds like a one size fits when it is several things going at the same time.

    You state it is a recession when it is really a Depression caused by the financial crisis and even model countries needs a bailout unless they enacted reform to prevent from happening in years prior to 2007.

  7. CommentedMark Pitts

    In rebuttal to Ms. Tyson’s argument, one only needs to reiterate many of the points already made by the Germans. For example:

    1) The issuance of Eurobonds relieves other nations of the need to make painful and unpopular reforms. Eurobonds mean reforms will not be made, interest rates will once again be equalized in the EU, and excessive borrowing in the peripheral countries will resume.

    2) Debtor countries already receive substantial aid or have access to it, but still resist implementing reforms that will lead to growth and competitiveness.

    3) Mr. Hollande, the newest voice for growth and reforms, has pledged to lower the French retirement age back to 60. That will make French public finances worse and add nothing to GDP or competiveness. These are the kind of “reforms” the Germans are worried about.

    4) Ms. Tyson states that Spain and Ireland were models of fiscal rectitude before the recession. She then points out, “The reality is that the rest of Europe cannot succeed in restoring growth without Germany.” There is an obvious contradiction here. Model countries do not require bailouts from other countries when recessions hit.

    To understand the German point of view, Americans need only convert the numbers involved to an equivalent in the US economy. For example, it has been estimated that the cost of bailing Spain’s banks and governmental units will cost around $350B. Would Americans be willing to bail out Mexico at a cost of $1.25 trillion, knowing that other countries in the region would soon line up for their bailouts as well?

    Finally, it is unfair to discredit the German position by equating it to moral or religious vengeance. As a result of their economic history, Germans may have different beliefs about the likely outcomes of certain policies than others do. However, there are many mainstream economists who question the simplistic Keynesian solution as well.

  8. CommentedZsolt Hermann

    The suggestions from the article sound logical.
    One question though: where would further growth come from?
    When will we become brave enough to face the facts that our present constant quantitative growth economic model, that is built on overproducing and over consuming excessive, unnecessary products, buying them beyond means requiring more and more credit, has exhausted itself due to multiple converging factors and this is why we are in a crisis, or more precisely system failure?
    Until we are ready to open up the root cause of the disease we cannot even hope for a cure.

Featured