Friday, April 18, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

المستهلك الشفاف

نيويورك ـ هناك مزحة صادقة متداولة في صناعة الإعلانات مفادها أن نصف هذه الإعلانات تهدر على عملاء لن يشتروا السلعة المعلن عنها أبدا، ولكن لا أحد يعرف أي النصفين يُهدَر بالفعل. إن الناس يتجنبون إطلاق النكات التي تدور حول الرعاية الصحية، ولكننا نستطيع أن نقول نفس الشيء عن العقاقير.

والواقع أن لا أحد في مجال الدعاية والإعلان أو المستحضرات الصيدلانية يعرف الأرقام على وجه التحديد، وذلك لأن لا أحد يعرف ماذا يعني تعبير "الفعالية" باستثناء الأشخاص الذي يشترون السلع أو الذين يستردون صحتهم. ولكن هل كانت الإعلانات أم الأدوية هي التي أدت إلى نتيجة بعينها أو أخرى؟

لقد أصبح من الأسهل الآن أن نرد على هذا التساؤل (سنفترض في هذا المقال أن القضايا المرتبطة بالخصوصية تُعالَج على النحو اللائق). وفي كل من الحالين فإن كم المعلومات المتاح بشأن الأهداف (المشترين المحتملين أو المرضى الذين قد تتحسن صحتهم) والنتائج (من اشترى ماذا أو من تحسنت صحته) أصبح في تزايد سريع. وهناك في واقع الأمر فرق ضئيل بين الإعلانات والأدوية في نظر أي متخصص في المعلومات.

إن التغيير يحدث في وقت مبكر وبسرعة أكبر في قطاع الدعاية والإعلان، حيث تعمل شبكة الإنترنت والهواتف المحمولة على تيسير عملية التعرف على طبائع الناس وسلوكياتهم وتتبع الإعلانات التي يشاهدونها والمنتجات التي يشترونها.

وفي قطاع الصحة سنجد أن القضايا المرتبطة بالخصوصية أكثر أهمية وأنها تستغرق وقتاً طويلاً لمعالجتها، ولكن المزيد من البيانات أصبحت متاحة، سواء من سجلات المرضى أو من دراسات المسح الصحية والسلوكية. ومع تزايد اعتماد المؤسسات الصحية على الوسائل الآلية وظهور بياناتها على شبكة الإنترنت، ومع شروع بعض الأفراد على الأقل في تتبع سلوكياتهم الصحية وسلوكياتهم المرتبطة بالصحة، فإن الباحثين في مجال الصحة قد تسنح لهم الفرصة للتعلم من التحليلات المنتجة في عالم الإعلان واستخدامها.

ومن منظور محلل المعلومات فإن التحدي لا يختلف كثيرا: إذ يتعين عليك أن تبدأ بكتلة من الأهداف المحتملة، إما المشترين أو مستخدمي الأدوية. تُرى أي من الطرفين قد يستجيب لإعلان أو لأحد الأدوية؟ في كلتا الحالتين، عليك أن تحاول غربلة مجموعة سكانية ضخمة ـ أولاً لتحديد العوامل التي قد تجعل شخاً ما هدفاً مناسبا، ثم في وقت لاحق للعثور على المزيد من الأشخاص الذين يطابقون تلك المعايير والذين من المفترض أن يصلحوا أيضاً كأهداف مناسبة.

وهناك اختلافات بطبيعة الحال. فالمرضى يريدون أن تنجح الأدوية في علاجهم، في حين أن الأشخاص الذين يشاهدون الإعلانات يفترضون أنهم يتخذون القرار العقلاني بشكل مستقل. ففي عالم الدعاية والإعلان، قد ينتهي بك الحال إلى إهدار الكثير من الأموال على أشخاص لن يستجيبوا لإعلاناتك؛ وفي مجال المستحضرات الصيدلانية فإن عملاءك (أو أي جهة تتحمل بالنيابة عنهم ثمن الأدوية) قد يهدرون أموالهم أو قد يلحق بهم الضرر من الأدوية غير الفعالة أو التأثيرات الجانبية.

إن المعلن يحتاج إلى سوق مستهدفة، وتتمثل هذه السوق على سبيل المثال في النساء اللواتي قد يشترين مزيل رائحة العرق الذي تنتجه، أو المسافرين الذين قد يستخدمون شركات الطيران الخاصة به. وفي كثير من الأحيان سوف يجد المعلن أن هؤلاء الأشخاص يقرءون المجلات النسائية أو يتصفحون المواقع على شبكة الإنترنت، أو ربما يتابعون أدلة السفر عبر شبكة الإنترنت. ومن يبيع منتجاً دوائياً فإنه يحتاج إلى المرضى، أو هؤلاء المعرضين للحالات التي قد يساعد دواؤه في منع الإصابة بها. وسوف يذهب هؤلاء إلي منتج الدواء (عن طريق الإعلانات المستهدفة في كثير من الأحيان، كما يحدث بالفعل، أو من خلال الأطباء).

والآن يتعين عليك أن تحدد أي الأشخاص في هذا الاختيار يشكلون أهدافاً مناسبة بالفعل. ففي مجال الإعلان من المفيد أن تعرف سلوك الأشخاص المستهدفين في الماضي: هل قاموا مؤخراً بزيارة موقع أحد تجار السيارات على شبكة الإنترنت أو قرءوا عن السفر إلى باريس على سبيل المثال؟

في الماضي لم يكن لدى المعلنين وسيلة للاطلاع على معلومات كهذه، لذا فإنهم كانوا يظهرون إعلاناتهم ببساطة بجانب المضمون المتصل بالسلع التي يرغبون في التسويق لها. والآن بات بوسعهم أن يتتبعوا الناس من خلال ملفات إلكترونية صغيرة مزروعة عبر شبكة الإنترنت، وأن يكتسبوا رؤية واضحة لسلوكيات مستخدمي الإنترنت ـ وأنماط شرائهم المحتملة.

والواقع أن بعض العلاقات المتبادلة واضحة: فالشخص الذي يبحث على موقع للسيارات من المرجح أن يشتري سيارة. وبعض العلاقات أقل وضوحا: فالشخص الذي يبحث عن رحلة طيران إلى بيتسبرج على سبيل المثال من المرجح أن يكون مسافراً إلى هناك، في حين قد تكون نسبة ضخمة من الأشخاص الذين يدخلون على مواقع تبيع رحلات إلى لاس فيجاس من الحالمين، وليس المشترين الفعليين. وقد تساعد أجهزة الكمبيوتر في كشف هذه الأنماط، التي يبدو بعضها وكأنها تتحدى كل التفسيرات، الأمر الذي يمكن المسوقين بالتالي من استهداف المستهلكين بشكل أكثر فعالية.

إن السوق المستهدفة الأولية في حالة الأدوية تتمثل في الأشخاص المصابين بحالة ما. لذا فإن الأمر كثيراً ما يتحول إلى مسألة تجربة وخطأ؛ فالأطباء يصفون دواءً يُعرَف عنه أنه ناجح في بعض الأحيان لكي يعرفوا ما إذا كان ناجحاً بالفعل. والواقع أن مرضى الاكتئاب والسرطان، على سبيل المثال، يجربون بشكل روتيني أربعة أو خمسة علاجات من أجل التوصل إلى علاج ناجع بالفعل، ولو بشكل مؤقت على الأقل. وتُعَد التجارب السريرية المعادل لاختبارات المعلنين (حيث يجرب المعلن إعلانات مختلفة على خلفية مجموعات فرعية من السوق المستهدفة)، ولكنها أكثر تكلفة واستهلاكاً للوقت، وأشد أهمية.

والآن هناك عدد من الاختبارات التشخيصية، الأشبه بالقواعد القائمة على الخبرة والتي يتبناها القائمون على التسويق، في التعامل مع ظروف بعينها. على سبيل المثال، من المعروف أن أنواع السرطان التي تنتج كميات كبيرة من بروتين يسمى (إتش ئي آر-2) من المرجح أن يوصف لعلاجها عقار الهيرسيبتين.

وعلى نحو مماثل، يبدو أن جيناً معيناً يسيطر على الحساسية لعقار مثل الوارفارين، وهو دواء مسيل للدم، وعلى هذا فإن التعرف على المتغير الذي يحمله شخص ما من هذا الجين من الممكن أن يساعد الطبيب على تحديد الجرعة المناسبة.

من الواضح أننا كلما تعرفنا بشكل أفضل على المرضى، والحالات، والعلاجات، والنتائج، كلما كان زادت قدرتنا على توقع النتاج على أساس فردي. وفي أغلب الأحيان سوف يستفيد المرضى من التحليل الإحصائي الذي يظهر أي العقارات تنجح في علاج أي نوع من الناس ـ وفي كثير من الأحيان قد يحدث هذا حتى قبل أن يتعرف العلماء على السبب.

وفي مجال الدعاية والإعلان، تكون أغلب البيانات عن أشخاص، مثل خصائصهم الديموغرافية، وسلوكياتهم الشرائية. أما في مجال الأدوية فإن أغلب البيانات تدور حول السمات الوراثية والحالة البدنية. ولكن علم اكتشاف العلاقات المتبادلة والأنماط متماثل إلى حد كبير.

وهذه الشفافية المتزايدة تحمل في طياتها العديد من الوعود والمخاطر للشركات المعنية. فهي هدّامة في الأمد القريب: حيث يريد القائمون على التسويق أن يصلوا إلى الأشخاص الذين سوف يشترون بالفعل، في حين يحب الناشرون أن يبيعوا الإعلانات الموجهة إلى هؤلاء الأشخاص، ولكنهم يخشون أن يكتشفوا أن نسبة كبيرة من جمهورهم قد لا يكونوا من العملاء الجيدين.

إن شركات الأدوية ترغب في بيع أدويتها لكل من قد يستفيد منها، وتنزعج هذه الشركات كثيراً من فكرة خدمة قاعدة محدودة من العملاء لكل دواء ـ حتى في حين قد يكون القائمون على التنظيم أبطأ مما ينبغي في إدراك الفوائد المترتبة على استهداف الأدوية الفردية وقد لا يوافقون على التعويض عن تكاليف الاختبارات المعنية. ومن خلال الفصل بين الأهداف العالية القيمة، يصبح بوسعنا أيضاً أن نكتشف ضمناً الأهداف المتدنية القيمة.

ولكن الأهداف المتدنية القيمة بالنسبة لإعلان أو عقار ما قد تكون عالية القيمة بالنسبة لإعلان أو عقار آخر. والواقع أن الهدف البعيد المدى يتلخص في البحث عن العروض المناسبة للأهداف المناسبة ـ سواء كان ذلك من خلال الإعلان عن سلع أو خدمات أو أدوية لعلاج الأمراض ـ بقدر من الكفاءة أعظم من أي وقت مضى.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured