Sunday, April 20, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

أوروبا على النمط السويدي

معادة السامية، ومعاداة الصهيونية، ومعاداة أميركا، كلها مفاهيم أصبحت أعمق ترابطاً وأكثر ضراوة في أوروبا في وقتنا الحالي. فهي ناشئة من نوع من الجهل المتحد مع مزيج غريب من العزلة، والشعور بالذنب، والخوف من كل من إسرائيل وأميركا.

ملايين من الأوروبيين يقاومون هذه المفاهيم، حيث يرون أن إسرائيل دولة تكافح من أجل البقاء. فإسرائيل لن تتحمل الهزيمة في حرب كبرى واحدة، حيث أن هذا يعني نهاية الدولة اليهودية الديمقراطية. لكن أعداداً هائلة من الأوروبيين يؤمنون بوجود عيب جوهري في الإسرائيليين: فهم لا يقبلون الحلول الوسط والتسويات أبداً؛ وهم يفضلون استخدام الوسائل العسكرية في حل المشاكل السياسية.

وهناك شعور مشابه يشوب الموقف الأوروبي تجاه الولايات المتحدة. إذا نظرنا إلى الأوروبيين فسنجد أن كثيراً يقولون: " لقد استأصلنا الحروب، والحس القومي الزائف الخطير، والأنظمة الدكتاتورية. ولقد عملنا على تكوين اتحاد أوروبي سلمي. فنحن لا نشن الحروب؛ بل نتفاوض. كما أننا لا نستنزف مواردنا على الأسلحة. ويتعين على بقية سكان كوكب الأرض أن يتعلموا منا كيف يعيشون معاً دون أن يُرهِب كل منهم الآخرين ".

وبصفتي كمواطن سويدي، فلقد استمعت إلى هذا التباهي بالسِلم طيلة حياتي: " أن السويد المحايدة تمثل قوة أخلاقية عظمى ". والآن أصبح هذا التفاخر يمثل إيديولوجية يتبعها الاتحاد الأوروبي: " نحن القارة الأخلاقية ". ونستطيع أن نسمي هذا " أوروبا على النمط السويدي ".

أجل، إن قيام الاتحاد الأوروبي اليوم يعتبر بمثابة المعجزة في قارة شهدت قيام حركتين من الحركات الاستبدادية المعاصرة ـ الشيوعية والنازية ـ وأنهار الدماء التي أريقت بسبب هاتين الحركتين. لكن ما تنساه أوروبا هو كيف كان النصر على هاتين الإيديولوجيتين. فلولا الولايات المتحدة لما كانت أوروبا الغربية قد تحررت في عام 1945. ولولا مشروع مارشال وحلف شمال الأطلنطي، فما كانت أوروبا لتبلغ ما بلغته اليوم من تقدم اقتصادي. ولولا سياسة الاحتواء تحت مظلة الأمن التي أقامتها أميركا، لكان الجيش الأحمر قد اغتال حلم الحرية في أوروبا الشرقية، أو لكانت الوحدة الأوروبية قد تحققت ولكن تحت راية ذات نجوم حمراء.

كما ننسى نحن الأوروبيون أيضاً أن بعض مناطق العالم لم تعرف الحرية من قبل قط. ففي كثير من الأماكن تحكم غرف التعذيب قواعد اللعبة بالكامل، وليس هذا كالأخطاء البشعة المخزية التي ارتكبتها قوات تعمل تحت إشراف رديء. وأية محاولة في مثل هذه الأماكن تنتهج الأسلوب الأوروبي المهذب وتعمد إلى التفاوض ـ بدون القوة العسكرية اللازمة لدعم الدبلوماسية ـ فلسوف تكون ذات عواقب تثير الشفقة.

يحاول العديد من الأوربيين، بدلاً من دعم هؤلاء الذين يكافحون الإرهاب الدولي، إلقاء المسئولية عن انتشار الإرهاب على عاتق إسرائيل والولايات المتحدة. وإنه لوهم أوروبي جديد. ولقد كان استرضاء العدو اجتناباً لشره في الآونة الأخيرة من قِبَل أسبانيا ـ على غرار معاهدة ميونيخ ـ نابعاً من هذا المنهج في التفكير.

ولكن ماذا لو جاء رد فعل أسبانيا ـ وأوروبا ككل ـ في الاتجاه المعاكس لتفجير قطار مدريد في أبريل قائلاً: " نحن نعد بسبب هذه المذبحة بأن نضاعف دعمنا للاستقرار في العراق بإرسال ضعف القوات المتواجدة هناك، وضعف عدد الخبراء والمهندسين والمدرسين ورجال الشرطة والأطباء، والبلايين من اليورو لدعم القوات المتحالفة والمتعاونين معها من العراقيين ". لو كان هذا قد حدث لكان انتصار الإرهابيين قد تحول إلى انتصار للحرب ضد الإرهاب.

إن الانطباعات التي يحملها العديد من الأوروبيين تجاه أميركا وإسرائيل تخلق مناخاً سياسياً ملائماً لنشوء توجه انحيازي في غاية القباحة. فهناك الشيطان الأكبر والشيطان الأصغر. وأميركا تريد أن تفرض هيمنتها على العالم ـ وهذه نفس الادعاءات التي تبثها البلاغة الخطابية التقليدية المعادية للسامية حول اليهود. في الواقع، تصف البلاغة الخطابية الحديثة المعادية للصهيونية الهدف الذي تسعى إسرائيل إلى تحقيقه بأنه يتلخص في فرض هيمنتها على منطقة الشرق الأوسط بالكامل. ولقد انعكست مثل هذه الأفكار في استطلاع الآراء الذي زعم فيه الأوروبيون أن إسرائيل والولايات المتحدة تشكلان الخطر الحقيقي على السلام العالمي.

يزعم الكاتب البريطاني إيان بوروما أن الغضب الأوروبي ضد أميركا وإسرائيل لابد وأن يكون مرتبطاً بالشعور بالذنب والخوف. فقد أدت المجازر المأساوية التي نتجت عن الحربين العالميتين إلى تفسير شعار " لن يتكرر هذا أبداً " بـِ" تحقيق الرخاء في الداخل وعدم التدخل فيما يحدث بالخارج ". والمشكلة في هذا المفهوم هو أن استمراره على قيد الحياة لا يتسنى بدون الحماية التي يوفرها الجبروت الأميركي.

في واقع الأمر، هناك اندماج بين مفهومي معاداة أميركا ومعاداة الصهيونية المتطرفين. وملصق السلام المزعوم الذي يُعرَض في التظاهرات الأوروبية المناهضة للحرب، والذي يقول: " كان لهتلر ولدان: بوش وشارون "، يجمع بين أمرين، الأول الاستخفاف بجرائم النازية، والثاني وضع ضحايا النازية وأولئك الذين هزموا النازية في مرتبة الشياطين.

ينشأ كثير من هذه المفاهيم ويترعرع من شعور أوروبي باطني بالذنب مرتبط بالمحرقة. فالآن أصبح ضحايا المحرقة ـ وأبناؤهم وأحفادهم ـ متهمين بارتكاب نفس الأفعال التي ارتُكِبت ضدهم. وبمساواة القاتل بالضحية، نغسل أيدينا من الأمر برمته.

ويتكرر هذا النمط من معاداة الصهيونية ومعاداة أميركا مرة تلو الأخرى. " الإسرائيلي القبيح " و" الأميركي القبيح " يبدو أنهما من نفس العائلة. ويمثل " اليهودي القبيح " الجزء الذرائعي في هذا الافتراء حين نُحَمّل ما يسمى بالمحافظين الجدد مسئولية العدوانية العسكرية الأميركية والأعمال الوحشية التي ترتكبها إسرائيل ثم نسمي بعض الأشخاص بعينهم مثل: وولفويتز، وبيرل، وأبرامز، وكريستول، إلى آخره. وهذا الاتجاه يمثل النسخة الجديدة من الأسطورة القديمة التي تقول إن اليهود يحكمون الولايات المتحدة.

في وقت سابق من هذا العام وضع رئيس تحرير " داي زييت " جوزيف جوفي إصبعه على القضية: " مثل اليهود، يُتَّـهَم الأميركيون بالأنانية والغطرسة. وهم مثل اليهود عبيد لعقيدة متعصبة تجعلهم خطرين وتهيئ لهم أنهم أقوم أخلاقاً من الآخرين. والأميركيون مثل اليهود، رأسماليون يفتشون عن المال، والقيمة الأسمى في نظرهم هي استمرار تدفق النقد ". ثم يضيف جوفي قائلاً: " أميركا وإسرائيل دخيلتان ـ تماماً كما كان اليهود طيلة الطريق إلى القرن الواحد والعشرين ".

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured