Thursday, October 30, 2014
0

برمجة الحياة

بما أننا أحياء نرزق، فإننا نتصور أن فهم الحياة وإدراك كينونتها أمر سهل. وفي التصنيف المقبول للعلوم يأتي علم الرياضيات على رأس قائمة أصعب العلوم وأكثرها استغلاقاً على الفهم، ويليها في ذلك علم الفيزياء، ثم علم الكيمياء، وأخيراً علم الأحياء. لكن هذا التدرج العلمي زائف ومضلل: فقد أصبحنا الآن ندرك أن علم الأحياء يحتوى على قدر من الرياضيات أكبر مما كنا نتخيل.

فحين دخلت الجزيئات إلى مجال الفهم العلمي للحياة مع اكتشاف الحمض النووي (DNA)، قفز علم الأحياء خطوة إلى الأمام على مقياس الصعوبة. ثم مع التعرف على المخطط البياني التفصيلي لكيفية تعبير الجينات عن نفسها، قفز علم الأحياء مرة أخرى إلى مرتبة أقرب إلى علم الرياضيات.

والتعبير السائد اليوم في مجال دراسة الحياة هو "بيولوجيا الأنظمة". ولمدة طويلة كان الذين يدرسون طبيعة الحياة وعلم الوراثة ينقسمون إلى معسكرين: أنصار التطور الوراثي التعاقبي الذين كانوا يؤكدون على التأثيرات البيئية على الكائنات الحية، وأنصار التشكل الوراثي المسبق الذين أكدوا على أوجه التشابه بين الآباء والذرية. ولقد كانت وجهة نظر أنصار التطور الوراثي التعاقبي مخطئة على نحو واضح، لأن شيئاً ما ثابتاً لابد وأن ينتقل عبر الأجيال. لكن وجهة نظر أنصار التشكل الوراثي المسبق التي تقول إن الكيان ينتقل عبر الأجيال بانتقال الكائن الحي كوحدة كاملة كانت تتعارض مع استحالة تجزئة الأشياء على نحو غير متناه.

والشيء الذي كان لابد وأن ينتقل ليس الكائن الحي في صورته النهائية، بل الوصفة التي تتضمن تركيبه وبنيته. ولنتأمل ذلك اللغز الميتافيزيقي القديم: ذلك القارب الخشبي الذي تستبدل ألواحه بالتدريج مع بُـلـيِّـها، هل يظل هو نفس القارب بعد استبدال ألواحه؟ إن "بيولوجيا الأنظمة" هي ذلك الفرع من علم الأحياء الذي يسلم بأن ما يظل على حاله الأصلي هو تصميم القارب ـ وهذا هو ما يحدد العلاقة بين الألواح.

لقد مهدت هذه الفكرة الطريق أمام مفهوم "البرنامج الوراثي"، والذي يتماثل وبرنامج الحاسب الآلي ـ وهو تعبير مجازي أصبح بديهيا بعد اكتشاف بنية الحمض النووي، وذلك لأن الحمض النووي يمكن تصوره على هيئة شريط خطي من الرموز، وهو بالضبط ما يقرأه جهاز الحاسب الآلي كبرنامج. ومثله كمثل برنامج الحاسب الآلي، فإن الحمض النووي لا يحتفظ بالحالة النهائية لما يرمز إليه؛ بل إنه يعمل على نحو رمزي ولكن ملموس (على هيئة "نص" حقيقي) على تثبيت العلاقات بين كل الأشياء وبين العوامل التي تحدد وتتحكم.

هناك مشاهدة لافتة للنظر تؤيد هذا القياس: فالفيروسات تتصرف كقطع من برامج تتسم بالفردية ولها صفات مميزة، من خلال استخدام الخلية كالآلة اللازمة لتكاثرها وانتشارها (بتدمير الآلة ذاتها في كثير من الأحوال). وبعد انتشار برمجة الحاسب الآلي على نطاق واسع، فقد وُجِد أن قطعاً من برامج الحاسب الآلي تتصرف على نفس المنوال، وعلى هذا فقد أُطْـلِق عليها اسم "فيروسات". وحين أصبح من الممكن التعامل مع الحمض النووي خارج الجسم الحي، أصبح التعبير المجازي "البرنامج الوراثي" أكثر دقة من حيث وصفه للواقع: فقد بات بوسع العلماء بناء تجارب تقابل إعادة برمجة الخلايا من خلال التعامل مع رموز من السيلكون فحسب (برامج الحاسب الآلي).

كان ألان تورينج العالم الشهير في مجال الرياضيات والحاسب الآلي أول من استخدم هذا التعبير المجازي. ولقد تمكن ألان تورينج بالتعاون مع جون فون نيومان، وعدد من الـمُـنَظّرين، من الكشف عن الرابطة بين رياضيات الأرقام الكاملة وبين المنطق. ولقد اقترح تورينج أن كل العمليات الحسابية والعمليات المنطقية يمكن تنفيذها بواسطة آلة بسيطة، أسماها "آلة تورينج الكلية"، تستطيع قراءة وتعديل التسلسل الخطي للرموز. ولم يتطلب هذا سوى الفصل المادي بين الرموز (المرئية على هيئة شريط) التي تتعامل معها الآلة وبين الآلة ذاتها. وفضلاً عن ذلك، فإن ذلك الشريط يحمل البيانات التي تسمح للآلة بمباشرة عملها. وعلى هذا فمن الممكن أن تنقسم البيانات إلى نوعين: برنامج يتضمن "معنى" التسلسل المنطقي الذي تتعرف عليه الآلة، والبيانات النظرية البحتة التي تزود البرنامج بالبيئة التي يعمل في إطارها.

تستند الهندسة الوراثية إلى إمكانية التعامل مع جزيئات الحمض النووي (سواء كان حقيقياً أو ذا بنية اصطناعية) بحيث يمكن إعادة برمجة خلايا غريبة. ونتيجة لهذا فإن العديد من أنواع البكتيريا اليوم تستطيع إنتاج بروتينات بشرية. لكن هذا يشكل جزءاً صغيراً فقط من البرنامج الجيني (الوراثي). فلقد أصبح انتقال الجينات بين الكائنات الحية أمراً واسع الانتشار. ولقد كان استنساخ النواة، الذي تمثل في النعجة دوللي ، سبباً في تحول "آلة تورينج الكلية" إلى نموذج للخلية الحية يحمل الكثير من الإلهام، إن لم يكن يحمل الكثير من التفسيرات.

وإذا اعتبرنا القيمة الاسمية الظاهرية لهذا التعبير المجازي، فلسوف نتوصل إلى نتيجة مدهشة. فقد ثبت أن نتيجة بعض برامج الحاسب الآلي تأتي على نحو غير متوقع وجديد ولا يمكن التنبؤ به في ذات الوقت. وعلى هذا فإن استخدام الحاسب الآلي في هذا التعبير المجازي يعني ضمناً أن الكائنات الحية عبارة عن أنظمة مادية تتوصل، في مواجهة مستقبل لا يمكن التنبؤ به، إلى حلول غير محتملة حتى تتمكن ذريتها من الحياة في ظل ظروف لا يمكن التنبؤ بها. إن الحياة تتسم بإبداع متأصل.

ولكن في النهاية لابد وأن نقول إن المغزى من هذا التعبير المجازي محدود بسبب حقيقة بسيطة: ألا وهي أن الحاسب الآلي لا يستطيع أن يصنع حاسباً آلياً آخر. والتحدي القائم الآن أمام علم الأحياء الجديد هو التوصل إلى فهم للكيفية التي قد يستطيع بها حاسب آلي أن يصنع حاسباً آلياً آخر.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured