Saturday, August 23, 2014
0

الطريق إلى النمو في مرحلة ما بعد الأزمة

ميلانوـ لقد مَرَّ عام ونصف العام منذ اندلعت الأزمة المالية، ومَرَّ عام كامل منذ بدأ الذعر في الانحسار، حيث استقرت أسعار الأصول وبدأت في الاتجاه نحو الصعود. ورغم أن التعافي الاقتصادي في البلدان المتقدمة ما يزال هشاً، فمن الواضح أن البلدان النامية تمكنت من تجاوز العاصفة. فقد بدأ النمو في الصين والهند في الارتداد إلى مستويات ما قبل الأزمة، وبدأ النمو في البرازيل في الارتفاع بعد تراجع حاد، وبدأت تجارة البلدان النامية في الارتداد عن المستويات المتدنية التي كانت قد بلغتها.

إن الأسباب الكامنة وراء هذه المرونة الهائلة والقدرة على المقاومة وفيرة، وهي تشكل دليلاً مرشداً للبلدان المتقدمة والبلدان النامية على حدٍ سواء. فمع اندلاع الأزمة تدفقت رؤوس الأموال إلى خارج البلدان النامية لدعم القوائم المالية المتضررة في البلدان المتقدمة، وأصبحت شروط الائتمان شديدة الإحكام. ولكن الاستجابات السريعة من جانب البنوك المركزية في البلدان النامية، بالتعاون مع بنوك محلية تتمتع بالصحة نسبياً، تمكنت من منع التجمد الائتماني الحاد.

فضلاً عن ذلك فقد استُخدِمَت الاحتياطيات التي تراكمت على مدى العقود السابقة في كثير من الأحوال لتعويض بعض تدفقات رؤوس الأموال إلى الخارج. فقد تعززت القوائم المالية للبنوك في أعقاب أزمة 1997-1998 المالية، ولم تكن مثقلة بالأصول المحولة إلى أوراق مالية ومشتقات الأوراق المالية المعقدة التي أحدثت القدر الأعظم من الضرر الذي لحق بالمؤسسات المالية في البلدان المتقدمة.

وكان الميل إلى الاستعانة بالروافع المالية (الإنفاق بالاستدانة) أقل في العديد من القطاعات. كما كانت الديون لدى المؤسسات المالية ـ ولدى الأسر في المقام الأول من الأهمية ـ أقل كثيراً نسبة إلى الأصول والدخل. وفي البلدان المتقدمة كانت الآليات الرئيسية التي استخدمت لنقل الأضرار التي لحقت بالقوائم المالية إلى الاقتصاد الحقيقي تتلخص في تقنين الائتمان والحد من الاستهلاك نتيجة لخسارة القيمة الصافية لدى الأسر. ولكن هذين العاملين كانا أكثر ضعفاً في البلدان النامية.

لا شك أن الانحدار السريع في قيمة الأصول كان مؤثراً لبضعة أشهر، ولكن مع الاستعانة بقدر أقل من الروافع المالية كان التأثير على صافي القيمة أقل وكان الاستهلاك المحلي أقل ضعفاً. وخلاصة القول إن منشأ الأزمة كان في صدمة القوائم المالية، وهي الصدمة التي كان التعرض لها أقل في البلدان النامية.

لقد شهدت كل البلدان النامية هبوطاً حاداً في التجارة ـ والذي كان أضخم كثيراً من الانحدار في الدخل والناتج. ثم عادت التجارة إلى الارتداد بسرعة نسبياً أثناء النصف الثاني من عام 2009، ولو أن هذا كان يعكس جزئياً القاعدة المنخفضة للغاية. بيد أن التأثير المباشر كان مخففاً إلى حدٍ ما بفضل الهبوط الحاد في قيمة كل العملات تقريباً نتيجة لتدفق رؤوس الأموال إلى الخارج.

وكان الاستثناء الوحيد في الصين، حيث استقر سعر الرنمينبي (عملة الصين) في مقابل الدولار، الأمر الذي أدى إلى ارتفاعه في مستهل الأمر في مقابل كل العملات الأخرى تقريباً. ولكن هذا التكوين تحول إلى الاتجاه المعاكس في الأشهر التسعة الماضية مع عودة تدفقات رؤوس الأموال الدولية إلى أنماطها الطبيعية، مدفوعة بفرص الاستثمار والعائدات. ومن المرجح أن تعود الصين قريباً إلى استئناف السياسة التي كانت تتبناها في مرحلة ما قبل الأزمة والتي تتلخص في الرفع المنظم الموجه لقيمة عملتها.

لا شك أن البلدان النامية كانت متفاوتة ـ بشكل ملحوظ في كثير من الأحيان ـ في قدرتها على توظيف الحوافز المالية لتعويض الخسارة في الطلب الخارجي. ورغم ذلك فإن العديد من هذه البلدان كانت قادرة على اتخاذ بعض تدابير مواجهة التقلبات الدورية على الأقل من دون التسبب في زعزعة استقرار مالياتها العامة.

ورغمأن المرونة التي تتسم بها الأسواق الناشئة، واستجاباتها السياسية السريعة الفعّالة، وانتعاشها السريع، من الأمور التي تشكل إشارات مشجعة للاقتصاد العالمي، فإن عدم الاستقرار في البلدان المتقدمة يظل يشكلمدعاة للقلق، هو والنظام المالي غير المنظم نسبيا. وقد تنجح خطط إعادة التنظيم والجهود الدولية الرامية إلى تنسيق الاستجابات السياسية في تقليص احتمالات عدم الاستقرار، ولكن هذا يتطلب إتمام العمل واختباره قبل أن تتولد الثقة الحقيقية. وفي غضون ذلك فإن اتخاذ موقف محافظ ودفاعي إلى حدٍ ما قد يكون له ما يبرره.

وهذا يعني أن البلدان النامية من المرجح أن تحتفظ بقدر كبير من الملكية المحلية لمؤسساتها المالية الداخلية. وسوف تظل عمليات تحويل الديون إلى أوراق مالية (ونظام الظل المصرفي) بسيطة، وسوف تتقدم هذه العملياتبخطى محسوبة مع بناء واختبار هيكل قانوني وتنظيمي جديد. أما الأوراق المالية المعقدة التي يصعب تقييمها فسوف تظل محدودة للغاية.

فضلاً عن ذلك، ولأن الاعتماد على التمويل الأجنبي يؤدي إلى خلق نقاط ضعف واضحة، فسوف تسعى البلدان النامية إلىتمويل الاستثمار بالاستعانة بالمدخرات المحلية في الأساس، وبالتالي الحد من حجم عجز الحساب الجاري لديها. وبسبب عدم وجود أسباب استراتيجية تمنعها من تكوين فوائض ضخمة، مع تجاوز حجم المدخرات لمتطلبات الاستثمار، فإن الحفاظ على توازن معقول في الحساب الجاري يبدو المسار الأفضل. وفي كل الأحوال فإن الحد من الاعتماد المالي على الغير يُعَد استراتيجية حكيمة، وبالتالي فهو يشكل نتيجة مرجحة.

ورغم ذلك فإن الركيزة الأساسية للنمو المرتفع المستدام كانت تتلخص في الاستفادة من المعارف الاقتصادية العالمية والطلب العالمي. وما زال هذا سارياً. لذا، ففي حين تعني احتمالاتتضاؤل النمو في البلدان المتقدمة لفترة طويلة من الزمن أن الاستراتيجيات ذات التوجهات الخارجية قد تؤدي إلى نتائج أقل من مدهشة بالنسبة للبلدان النامية، فإن الاستراتيجيات البديلة لن تكون أفضل.

والواقع أن المخاوف بشأن تزايد نزعة الحماية في البيئات المنخفضة النمو كانت في محلها. ويتعين على البلدان النامية الأضخم حجماً أن تضطلع بدور موسع في تخفيف وتبسيط تدابير الحماية التي جاءت مع استخدامها الموسع للمال العام، والعودة إلى التحرك نحو الأمام بقوة. وهذا يشكل أهمية خاصة بالنسبة للبلدان النامية الأكثر فقراً والأصغر حجماً حيث يشكل الاستهلاك المحلي والاستثمار بديلاً هزيلاً للطلب العالمي.

وفي الوقت نفسه فإن التأكيد المتجدد على ضرورة تعظيم قدرة السوق المحلية على دفع النمو والتنوع البنيوي ـ رغم أن هذه القدرة أعلى بوضوح في البلدان النامية الأضخم حجماً والأكبر دخلاً ـ يشكل درساً مستفاداً من الأزمة. ومن المؤكد أن تلك البلدان النامية التي تحافظ على بيئة مستقرة للاقتصاد الكلي، وتمتلك عقلية مؤهلة لمواجهة التقلبات الدورية، وتحقق تقدماً مضطرداً في مجالات الحكم والتعليم والبنية الأساسية، سوف تحقق ازدهاراً ملموساً.

قد يتراجع النمو في البلدان المتقدمة لبعض الوقت، ولكن العوامل المعوضة التي نشأت مع الأزمة تشكل أهم الدروس المستفادة منها. فقد بدأت التجارة الداخلية في البلدان النامية في التوسع بما يتفق مع حجم اقتصادها، كما بدأت البلدان النامية الضخمة في استعادة النمو بسرعة. بل إن الصين، التي لم تتمكن الأزمة من زحزحتها عن مسارها، تعتزم إجراء تحول في الدخول المتوسطة من شأنه مع الوقت أن يخلق مساحة معقولة في القطاعات الخدمية والصناعات التي تتطلب عمالة كثيفة، مع تطور البلد بنيوياً وخروجه من هذه القطاعات.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured