Tuesday, September 30, 2014
2

عودة السياسات الصناعية

كمبريدجـ رئيس الوزراء البريطاني جوردون براونيروج لها باعتبارها وسيلة لخلق وظائف من فئة تتطلب مهارة عالية. ويتحدث الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي عن استخدامها للإبقاء على الوظائف الصناعية في فرنسا. ويعرِب جستين لينكبير خبراء الاقتصاد فيالبنك الدولي علناً عن دعمه لها كأداة للتعجيل بالتغيير في الدول النامية. وتسدي مؤسسة ماكنزيالمشورة بشأن الكيفية التي يتعين بها علىالحكومات أن تتبناها.

لقد عادت السياسات الصناعية.

الواقع أن السياسات الصناعية لم تغب عن الساحة ولم تتحول إلى طراز عتيق قَط. ولعل أهل الاقتصاد من المتيمين بإجماع واشنطن بين الليبراليين الجدد شطبوها من حساباتهم، ولكن الأنظمة الاقتصادية الناجحة كانت تعتمد دوماً على السياسات الحكومية التي تشجع النمو من خلال التعجيل بالتحول البنيوي.

والصين أوضح مثالٍ على ذلك. فالقسم الأعظم من براعتها الفائقة في مجال التصنيع يستند إلى المساعدات التي تقدمها الحكومة للصناعات الجديدة. ولقد عملت المؤسسات المملوكة للدولة كحاضنات للمهارات الفنية والمواهب الإدارية. كما عملت متطلبات المحتوى المحلي على توليد صناعات التوريد الإنتاجية في مجالات مثل صناعة السيارات والإلكترونيات، ونجحت حوافز التصدير السخية في مساعدة الشركات على اقتحام الأسواق العالمية التنافسية.

وتُعَد شيلي، التي كثيراً ما تصور بوصفها جنة السوق الحرة، مثالاً آخر. فقد لعبت الحكومة هناك دوراً حاسماً في تنمية وتطوير كل سلعة تصدير جديدة تنتجها البلاد. فقد اقتحم العنب الشيلي الأسواق العالمية بفضل مشاريع البحث والتطوير التي مولتها الحكومة. وكان الجنرال أوجستو بينوشيه يخصص دعماً كبيراً لمنتجات الغابات. وكانت صناعة السلمون التي حققت نجاحاً بالغاً من إنشاء مؤسسة شيلي، وهي شركة ينفق عليها صندوق شبه عام.

ولكن حين يتعلق الأمر بالسياسات الصناعية، فإن الولايات المتحدة هي الأسوأ على الإطلاق. وهنا تكمن المفارقة، لأن مصطلح "السياسة الصناعية" يشكل تعبيراً بغيضاً في الخطاب السياسي الأميركي. فهو يُستخدَم على نحو يكاد يكون حصرياً لترهيب الخصوم السياسيين باتهامهم بوضع تصاميم ستالينية لإدارة الاقتصاد.

ورغم ذلك فإن الولايات المتحدة تدين بالكثير من براعتها الإبداعية للدعم الذي تتلقاه من جانب حكوماتها. وكما شرح لنا جوش ليرنر الأستاذ بكلية إدارة الأعمال بجامعة هارفارد في كتابه "شارع الأحلام المحطمة" فقد لعبت عقود وزارة الدفاع الأميركية دوراً حاسماً في التعجيل بالنمو المبكر لوادي السليكون. وحتى شبكة الإنترنت العالمية، التي ربما تُعَد الإبداع الأعظم أهمية في عصرنا، نشأت من مشروع لوزارة الدفاع بدأ تنفيذه في عام 1969.

فضلاً عن ذلك فإن تبني أميركا لسياسة صناعية لا يشكل مسألة ذات أهمية تاريخية فحسب. فاليوم أصبحت حكومة الولايات المتحدة الفيدرالية تمثل المؤسسة الرأسمالية الأعظم حجماً في العالم على الإطلاق. وطبقاً لصحيفة وال ستريت جورنال، فإن وزارة الطاقة الأميركية وحدها تخطط لإنفاق أكثر من أربعين مليار دولار في هيئة قروض ومنح لتشجيع الشركات الخاصة على تنمية مشاريع الطاقة الخضراء، مثل السيارات الكهربائية، والبطاريات الجديدة، وتوربينات الرياح، ولوحات الطاقة الشمسية. وأثناء الأرباع الثلاثة الأول من عام 2009 استثمرت شركات رأس المال الخاصة مجتمعة أقل من ثلاثة مليارات من الدولارات في هذا القطاع،في حين استثمرت وزارة الطاقة الأميركية ثلاثة عشر مليار دولار.

وعلى هذا فإن التحول نحو تبني سياسة صناعية يشكل اعترافاً بما أدركه العقلاء من محللي النمو الاقتصادي دوماً: ألا وهو أن تنمية الصناعات الجديدة تتطلب غالباً دَفعة أولية من الحكومة. وهذه الدَفعة قد تأتي في هيئة إعانات، وقروض، وبنية أساسية، وغير ذلك من أشكال الدعم. ولكن إذا استكشفت حقيقة أي صناعة ناجحة جديدة في أي مكان فسوف تجد على الأرجح أن المساعدات الحكومية كانت تشكل أساساً كامناً لها.

والسؤال الحقيقي حول السياسات الصناعية ليس ما إذا كان ينبغي لنا أن نمارسها، ولكن كيف. وهنا سنجد ثلاثة مبادئ أساسية يتعين علينا أن نضعها في الحسبان.

الأول أن السياسة الصناعية تشكل حالة ذهنية أكثر من كونها قائمة تشتمل على سياسات محددة. ويدرك ممارسو هذه السياسة الناجحون أن الأمر الأكثر أهمية في هذا السياق يتلخص في خلق المناخ اللازم لتشجيع التعاون بين الحكومة والقطاع الخاص وليس توفير الحوافز المالية. فمن خلال المجالس الاستشارية، أو منتديات تنمية الموردين، أو المجالس الاستشارية الاستثمارية، أوالموائد المستديرة القطاعية، أو صناديق المشروعات المشتركة بين القط��عين العام والخاص، تهدف جهودالتعاون في كل الأحوال إلى استخلاص المعلومات حول الفرص الاستثمارية والمعوقات المحتملة. وهذا يتطلب وجود حكومة "ضاربة بجذورها" في القطاع الخاص، ولكن شريطة ألا تحابيه على نحو مُبالغ فيه.

والثاني أن السياسة الصناعية لابد وأن تعتمد على كل من العصا والجزرة. فنظراً للمجازفات المحيطة بها والفجوة الناشئة بين منافعها الاجتماعية والخاصة، فإن الإبداع يتطلب إمكانية تحقيق عائدات أعلى مما تقدمه الأسواق التنافسية. ولهذا السبب تحرص كل بلدان العالم على تأسيس أنظمة لتسجيل براءات الاختراع. ولكن الحوافز المفتوحة لا تخلو من التكاليف: إذ قد تتسبب في رفع أسعار المستهلك وتقييد الموارد في الأنشطة غير الإنتاجية. ولهذا السبب كان من الضروري أن نحدد تواريخ صلاحية لهذه لبراءات الاختراع. ومن الأهمية بمكان أيضاً تطبيق نفس المبدأ على كافة الجهود الحكومية الرامية إلى توليد صناعات جديدة. ولابد وأن تكون الحوافز الحكومية مؤقتة وقائمة على أساس الأداء.

أما المبدأ الثالث الذي يتعين علينا أن نضعه في الحسبان فهو أن ممارسي السياسة الصناعية لابد وأن يدركوا أنها تهدف في الأساس إلى خدمة المجتمع ككل، وليس البيروقراطيين الذين يديرونها أو الشركات التي تتلقى الحوافز المرتبطة بها. ولتوفير الحماية ضد الانتهاكات فلابد من تطبيق السياسات الصناعية في مناخ من الشفافية والخضوع للمساءلة، ومن الأهمية بمكان أن تكون العمليات المرتبطة بالسياسات الصناعية مفتوحة للداخلين الجديد.

يتلخص الانتقاد الأساسي الموجه للسياسات الصناعية في أن الحكومات لا يجوز لها أن تنتقي الفائزين. وهو أمر مفروغ منه، ولكن هذا بعيد الصلة إلى حد كبير عن موضوعنا. إن ما يحدد نجاح السياسات الصناعية ليس القدرة على انتقاء الفائزين، بل القدرة على إطلاق سراح الخاسرين. فعدم اليقين يؤدي دوماً إلى الأخطاء حتى مع تبني السياسات المثلى. وتكمن الحيلة هنا في استدراك الحكومات لهذه الأخطاء وسحب الدعم قبل أن يصبح الأمر باهظ التكاليف.

ذات يوم قال توماس واطسون مؤسس شركة آي بي إم: "إن كنت تريد النجاح فعليك أن ترفع ثمن أخطائك". والحكومة التي لا ترتكب أية أخطاء حين تشجع الصناعة هي الحكومة التي ترتكب الخطأ الأكبر المتمثل في عدم بذل القدر الكافي من الجهد.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (2)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedParrain Boursorama

    The best model for expanding Alternative Energies and Environmental Protection globally is through using market equilibrium, whereas governmental subsidies and fiscal stimulus to be just supplementary

  2. Portrait of Michael Heller

    CommentedMichael Heller

    There is a naive quality about Rodrik's belief in government’s capacity to shape efficient economic designs. Since his writing is very influential as well as wrong-headed, it needs refutation.

    First, he calls for various forms of organized government-business collaboration. In the advanced societies this was called corporatism. Despite having the advantage of modern state institutional capacity Germany and the UK largely gave up corporatism when it became obvious that corporatism was inflexible and non-evolutionary. In developing countries without formal divisions of powers and democratic accountability, government-business 'embeddedness' is more likely to simply take the form of collusion and rent seeking. Rather than engineering “financial incentives” or utopian “states of mind”, governments can more usefully focus on the economic incentives that nature provides by improving regulatory framework to ensure formally equal playing fields for competitive markets in which the incentive for cost discovery is the possibility of extinction.

    Second, Rodrik calls for temporary and performance-based government incentives. This is pie in the sky. No political system has ever been devised that could withstand the interest-group pressures implied by any state-activist form of promoting business. It may reasonably be said in line with Schumpeterian theory that government’s job is to ensure that monopolistic privileges generated by market actors can only ever be temporary. It is not, however, government’s role to generate those privileges in the shape of subsidies or protection given in return for state-defined performance targets.

    Third, Rodrik calls for transparent and accountable decision making in industrial policy, leaving the field open to new entrants. The welfare states in advanced democracies are already overloaded. It is absurd to suggest that governments should actually expand their field of microlevel discretionary decision making about individual enterprises. Authoritarian industrial policy is bad enough. ‘Democratic’ industrial policy subject to public choice lobbying dynamics would be worse!

    Fourth, Rodrik claims there is a difference between picking winners and identifying losers. The distinction is spurious. It would not be necessary to identify a loser (and withdraw a public subsidy) unless there had already been a wasteful effort to pick a winner. Whilst it is true that learning is by doing, i.e. by trial and error, the prior task of policymaking can reasonably be to predict the unintended consequences of stupid policies. There is no point in making errors deliberately for the sake of learning. The onus of cost discovery should lie with business (when it fails) rather than the government that foots the bill. In any case, monitoring of business errors by government requires an unlikely army of politically detached and superbly disciplined bureaucrats. Even if bureaucrats had enough expert knowledge of economic life to pick winners and identify losers (which they don’t) it would still be a costly, risky and unnecessary task for government to undertake.

    Fifth, there is of course evidence that industrial policy can succeed, for a while. But there are just as many examples of its catastrophic failure. If we leave aside island or city states such as Singapore, there is not a single country in the world in which the types of large-scale and prolonged neoactivism Rodrik proposes in his most recent book have not eventually led to political decay and economic crisis. Just look at Japan. (China cannot possibly sustain its present path.)

    I describe the Weberian counter-logic to Rodrik’s influential neoactivism more fully in chapter six of my book Capitalism, Institutions, and Economic Development (2009/2011).

    Michael G. Heller

Featured