3

امكانية مقاومة صعود اسيا

نيودلهي- ان من المواضيع المفضلة للجدل العالمي هذه الايام هو ما اذا كان صعود اسيا يشير الى انحدار الغرب ولكن التركيز الحالي على المشاكل في اوروبا والولايات المتحدة الامريكية تصرف الانتباه عن العديد من التحديات الخطيرة والتي تشكك في نجاحات اسيا المستمرة.

ان التحولات الحالية المستمرة في القوة العالمية مرتبطة بشكل اساسي بالصعود الاقتصادي المذهل لاسيا وذلك على نطاق وسرعة ليس لها مثيل في التاريخ العالمي . ان كون اسيا تحتوي على اسرع اقتصادات العالم نموا واسرعها صعودا في مجال المشتريات العسكرية واشدها صعوبة في مجال التنافس على الموارد واكثرها احتواءا على المناطق الساخنة الخطرة يعني ان اسيا تحمل المفتاح للنظام العالمي المستقبلي.

لكن اسيا تواجه قيود كبيرة حيث يتوجب عليها ان تتعامل مع نزاعات مناطقية وبحرية متجذرة مثل تلك الموجودة في بحر الصين الجنوبي وارث تاريخي ضار يؤثر سلبا على علاقات الدول الاكثر اهمية ضمن القارة بالاضافة الى زيادة المشاعر الوطنية المتقدة وزيادة التطرف الديني وتناقس حاد على المياه والطاقة.

ان التكامل السياسي لاسيا ما تزال متخلفا بشكل كبير عن تكاملها الاقتصادي ومن اجل ان تزداد الامور تعقيدا فإنه ليس لديها اطار امني . ان اليات المشاورات السياسية ما تزال ضعيفة . ان هناك خلافات قائمة تتعلق بما اذا كان البناء او المجتمع الامني يجب ان يمتد لكامل اسيا او ان يبقى محصورا في منطقة "شرق اسيا" غير المحددة بشكل صحيح .

ان من المخاوف الرئيسه هو انه بخلاف حروب اوروبا الدموية في النصف الاول من القرن العشرين والتي جعلت الحرب موضوعا غير وارد اليوم فإن الحروب في اسيا في النصف الثاني من القرن العشرين أدت فقط الى ابراز الخصومات المريرة. لقد تم خوض عدة حروب بين الدول في اسيا منذ سنة 1950 اي منذ ان بدأت الحرب الكورية وعملية ضم التبت ولكن بدون حل النزاعات الاسيوية الكامنة.

لو اخذنا المثال الابرز وهو عندما قامت الصين بالتدخل عسكريا حتى عندما كانت فقيرة وتعاني من مشاكل داخلية. لقد اشار تقرير للبنتاجون في سنة 2010 للاستباقية العسكرية الصينية في 1950 و1962 و1969 و1979 بإسم الدفاع الاستراتيجي .ان هناك ايضا احتلال الصين لجزر باراسيل من فيتنام سنة 1974 واحتلال الصين سنة 1995 لرف ميستشيف القاري في جزر سبارتلي بالرغم من احتجاجات الفلبين .ان هذا التاريخ يساعد في توضيح لماذا القوة العسكرية المتزايدة للصين تثير مخاوف مهمة في اسيا اليوم .

لم يحصل منذ ان اصبحت اليابان قوة عالمية خلال فترة حكم الامبرطور ميجي (1867-1912) ان نشأت قوة غير غربية اخرى بمثل هذه الامكانيات لإن تشكل النظام العالمي. لكن هناك اختلاف مهم فصعود اليابان صاحبه انحدار الحضارات الاسيوية الاخرى علما انه بحلول القرن التاسع عشر تمكن الاوروبيون من استعمار معظم اسيا حيث لم يتركوا أية قوة اسيوية يمكن ان تقوم بكبح جماح اليابان.

ان صعود الصين اليوم يأتي الى جانب دول اسيوية مهمة اخرى بما في ذلك كوريا الجنوبية وفيتنام والهند واندونيسيا. بالرغم من ان الصين تمكنت اليوم من ان تحل مكان اليابان كثاني اكبر اقتصاد في العالم ، سوف تبقى اليابان قوة معتبرة للمستقبل المنظور علما انه على اساس دخل الفرد تبقى اليابان اغنى من الصين بمقدار 9 مرات كما انها تملك اضخم اسطول بحري اسيوي وصناعاتها التقنية هي الاكثر تقدما في القارة.

عندما صعدت اليابان كقوة عالمية تبع ذلك احتلال امبريالي بينما هناك الى حد ما قوى اسيوية اخرى تقوم بكبح جماح النزعات التوسعية الصينية .ان الصين ليست في وضع يؤهلها من الناحية العسكرية لاحتلال المناطق التي تطمع بها لكن انفاقها الدفاعي قد ازداد بشكل اسرع من ناتجها المحلي الاجمالي بمقدار الضعف. ان قيام الصين بالدخول في نزاعات اقليمية مع جيرانها وتبني سياسة خارجية تعتمد على القوة يعني ان قادة الصين يجبرون الدول الاسيوية الاخرى على العمل بشكل وثيق اكثر مع الولايات المتحدة الامريكية ومع بعضها بعضا.

ان الصين في واقع الامر تسير على نفس الطريق التي جعلت اليابان دولة عدائية وعسكرية وما نتج عن ذلك من عواقب مأساوية للمنطقة ولليابان . ان ثورة ميجي للتجديد في اليابان ادت الى خلق قوة عسكرية تحت شعار : " اجعل البلد اكثر ثراءا واعمل على تقوية العسكر " . لقد اصبح العسكر في نهاية المطاف اقوياء لدرجة انه كان باستطاعاتهم ان يفرضوا شروطهم على الحكومة المدنية في اليابان انذاك علما ان الشيء نفسه يمكن ان يحصل في الصين حيث يدين الحزب الشيوعي بالفضل وبشكل متزايد للعسكر لاحتفاظ الحزب باحتكاره للسلطة.

ان من المرجح ان تبقى دينامية القوة في اسيا مائعة مع وجود تحالفات جديدة او متحولة وقدرات عسكرية معززة تستمر في فرض تحديات على الاستقرار الاقليمي فعلى سبيل المثال بينما تناور الصين والهند واليابان من اجل الحصول على افضلية استراتيجية تقوم تلك البلدان بتغيي�� شكل علاقاتها الثنائية بشكل ينذر بارتباط استراتيجي اوسع بين الهند واليابان وتنافس اكثر حدة بين هاتين الدولتين وبين الصين .

 ان المستقبل لن يكون لاسيا فقط بسبب انها اضخم قارة واكثرها تعدادا لاسكان واسرعها نموا فالحجم لا يعتبر اضافة بالضرورة فتاريخيا هناك دول صغيرة ذات تفكير استراتيجي تمكنت من التمتع بقوة عالمية .

ان اسيا في واقع الامر لو كان عدد سكانها اقل سوف تمتع بتوازن افضل بين حجم السكان والموارد الطبيعية المتوفرة بما في ذلك المياه والطعام والطاقة ففي الصين على سبيل المثال فإن التكلفة التقديرية الرسمية لشح المياه هناك ضمن الناتج الصناعي السنوي هي حوالي 28 بليون دولار امريكي بالرغم من ان الصين بخلاف غيرها من الاقتصادات الاسيوية بما في ذلك الهند وكوريا الجنوبية وسنغافورة غير مسجلة من قبل الامم المتحدة كدولة تعاني من شح المياه.

بالاضافة الى التحديات السياسية المتزايدة في اسيا وتلك المتعلقة بتحديات الموارد الطبيعية فلقد ارتكبت اسيا الخطأ المتعلق بالتركيز الزائد على الحد على نمو الناتج المحلي الاجمالي مع استثناء الارقام القياسية الاخرى المتعلقة بالتنمية وكنتيجة لذلك اصبحت اسيا تعاني من انعدام المساواة بشكل متزايد كما ينتشر الفساد ويزداد استياء الناس كما ان التدهور البيئي اصبح مشكلة خطيرة والاسوأ من ذلك كله انه بينما اعتنقت العديد من الدول الاسيوية القيم الاقتصادية الغربية تقوم برفض القيم الغربية السياسية .

ان مما لا شك فيه ان تحديات اسيا هي اكبر من تلك التي تواجه اوروبا والتي تجسد التنمية الشاملة اكثر من اي جزء اخر في العالم . بالرغم من هذه الهالة من الحتمية المتعلقة بالصين فإن من غير المؤكد بالمرة ان اسيا مع تحدياتها الداخلية الضاغطة سوف تتمكن من ان تقود النمو العالمي وتشكيل نظام عالمي جديد .