Monday, July 28, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

الركود ولعبة التأريخ

ستانفورد ـ كان التفاؤل الذي نشأ في المراحل المبكرة من التعافي من الأزمة المالية والركود سبباً في إفساح المجال أمام تقييم أكثر واقعية وتعقلاً للتحديات التي يواجهها الاقتصاد العالمي، وعناصره على المستويات الوطنية، في الآماد القصيرة والمتوسطة والطويلة.

وفي العديد من البلدان نشأت المخاوف من فترة مطولة من النمو البطيء أو السلبي من حين إلى آخر، أو العقبات المستمرة التي تحول دون نجاح محاولات الحد من البطالة، أو القلق الاقتصادي المتواصل؛ أو "عقد ضائع" على الطريقة اليابانية تتخلله فترات عديدة من الركود؛ أو حتى الأسوأ من كل ذلك، الكساد (ولقد عمل الساسة والمفكرون على تغذية هذه المخاوف في محاولة لتبرير استمرار التدخلات الحكومية الهائلة في الاقتصاد لأعوام مقبلة).

ولكن هل من غير المعتاد أن نشهد انحدارات متعددة في فترات الأزمة الاقتصادية الحادة؟ قد يكون من المفيد أن نتعرف على الإجابة على هذا السؤال قبل محاولة تحفيز الاقتصاد على نحو متكرر في الأمد القريب بالاستعانة بسياسات باهظة التكاليف وقد تؤدي إلى الإضرار بالتوقعات في الأمد الأبعد.

كان الركود العالمي حاداً، ولا مثيل له منذ الحرب العالمية الثانية، ربما باستثناء السنوات الأولى من ثمانينيات القرن العشرين (حين ارتفع معدل البطالة في أميركا على سبيل المثال إلى 10,8% كنتاج ثانوية لتدابير خفض معدل التضخم بعد نمو الأسعار الذي تجاوز نسبة الـ10% في أواخر السبعينيات). ومنذ بداية الأزمة في ديسمبر/كانون الأول من عام 2007 إلى النهاية الظاهرية للركود في صيف عام 2009، بلغ الانحدار في الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة 3,8%.

كما شهدت بقية بلدان مجموعة الدول السبع الأخرى (اليابان وألمانيا وإيطاليا وفرنسا وكندا والمملكة المتحدة) فترات من الركود الحاد أثناء هذه الفترة. وشهد عدد من البلدان المتوسطة الدخل الرئيسية، مثل البرازيل وكوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان، فترات انحدار وجيزة ولكنها أشد حِدة. وكانت دورة الانحدار عنيفة وطويلة إلى الحد الذي جعل بعض المراقبين والمحللين يستخدمون مصطلح "الكساد" قبل أن يستقروا في النهاية على تعبير "الركود الأعظم" في وصفها.

ولكن ما هو تعريف الركود على وجه الدقة؟ إن الهيئات الإحصائية الوطنية المختلفة تُعَرِّف وبالتالي تؤرخ لهذه الفترات بأساليب مختلفة بعض الشيء. ففي الولايات المتحدة يتم التأريخ الرسمي لفترات الركود بواسطة بحثية خاصة غير حزبية ولا تسعى إلى تحقيق الربح، وهذا يعني استبعاد أي صفة سياسية لهذه العملية.

إن النقطة التي يتوقف عندها الاقتصاد عن النمو تسمى "الذروة"، والنقطة التي يتوقف عنها الانكماش يطلق عليها "النقطة الدنيا". والفترة الممتدة من النقطة التي يبدأ عندها الاقتصاد في العودة إلى النمو إلى النقطة التي يبلغ عندها الاقتصاد الذروة السابقة تسمى "التعافي". أما النمو الذي يلي ذلك فيسمى "التوسع".

ولا ينتهي الركود في نظر خبراء الاقتصاد إلا حين يبدأ الاقتصاد في النمو. فالاقتصاد يهبط إلى قاع البئر، ثم بمجرد نجاحه في التسلق إلى الأعلى يتم الإعلان عن "انتهاء" الركود، رغم أن رحلة التسلق إلى الأعلى من جديد قد تكون طويلة. ولا عجب إذن أن المواطنين العاديين لا يعتبرون أن الركود قد انتهى إلا حين يعود الاقتصاد إلى "طبيعته"، وهذا يعني ارتفاع الدخول وتوفر فرص العمل.

والقاعدة الشائعة هنا تعتبر هبوط الناتج المحلي الإجمالي لربعين متواليين ركوداً. غير أن الركود قد لا يستوفي هذه القاعدة في بعض الأحيان. ففي عام 2001، وفي الفترة 1974/1975، لم يكن هذا المعيار صادقا. فبالإضافة إلى الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، تشكل عناصر أخرى مثل تشغيل العمالة والدخل والمبيعات أهمية كبرى، ويصدق نفس القول على عمق ومدة ومدى انتشار الانحدار في الاقتصاد الكلي.

وفي بعض الأحيان قد يكون تأريخ الركود معتمداً على قرار اجتهادي. فقد شهدت أميركا ركوداً حاداً لفترة وجيزة في عام 1980، ثم أعقبتها فترة أخرى من الركود الحاد المطول أثناء 1981/1982. ويرى العديد من خبراء الاقتصاد أن نوبتي الركود هاتين كانتا من النوبات الكبرى، ولعل هذه هي الطريقة المناسبة للنظر إلى الأمر في سياقه التاريخي الأوسع.

بيد أن الاقتصاد شهد نمواً فعلياً في غضون ذلك ـ بما يكفي لاعتبار نوبتين الركود هاتين مختلفتين عن غيرهما بالكاد. وبما أن هاتين النوبتين كان يفصل بينهما الانتقال من الرئيس جيمي كارتر إلى الرئيس رونالد ريجان، فكان من المنطقي على الصعيد السياسي أن يُنظَر إليهما باعتبارهما فترتي ركود منفصلتين. وعلى نحو مماثل، تم التأريخ الرسمي لبداية الركود الحالي بشهر ديسمبر/كانون الأول 2007، ولكن كان من الجائز أيضاً أن يتم التأريخ لبداية الركود بصيف عام 2008، وذلك لأن الاقتصاد شهد نمواً في الفترة الفاصلة.

إن الركود المزدوج يشكل القاعدة وليس الاستثناء في أغلب الأحوال. وإذا ركزنا على الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي فعَرَّفنا الركود المزدوج باعتباره تسلسلاً تاريخياً حيث نشهد فترة طويلة بالقدر الكافي لاعتبارها فترة ركود ثم تعقبها فترة من التعافي، التي تأتي في أعقابها مباشرة فترة ثانية من الركود الصريح، فنستطيع أن نعتبر فترة الركود 1980-1982 مثالاً نموذجيا. بل وإذا عَرَّفنا الركود بشكل أكثر توسعاً باعتباره سلسلة تشتمل على فترات من النمو تعقبها فترات من الانحدار ثم تعقبها فترات أخرى من النمو والانحدار، فبوسعنا أن نعتبر الفترة 1973-1975 في الولايات المتحدة، حيث شهد الاقتصاد ثمانية أرباع من المكاسب ثم الخسائر بالتناوب في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، فترة من الركود الرباعي.

وهذه ليست بالحالات النادرة. ففي نفس الوقت تقريباً، شهدت ألمانياً هذا النمط من الركود المزدوج، وشهدت المملكة المتحدة ركوداً رباعيا. وفي أوائل الثمانينيات، شهدت المملكة المتحدة واليابان وإيطاليا وألمانيا ركوداً مزدوجا. وكانت فترة الركود الوجيزة في أميركا في عام 2001 بمثابة فترة من الركود المزدوج المعتدل. وفي إطار فترة الركود الحالية، شهدنا بالفعل ركوداً مزدوجا؛ الأول في بداية عام 2008، ثم بعض النمو، ثم فترة ركود أخرى عميقة، ثم بعض النمو من جديد. وإذا انحدر الاقتصاد مرة أخرى ـ وهو احتمال معقول للغاية ـ فسوف نشهد ركوداً ثلاثياً، ولو أننا قد لا نشهد فترة ركود صريحة ثانية.

لذا، فإن التاريخ يشير إلى أن الاقتصاد نادراً ما ينمو بعد الركود بشكل متواصل، ومن دون انحدار تال عرضي. ولقد شهدت أميركا العديد من فترات الركود المزدوج والثلاثي والرباعي منذ الحرب العالمية الثانية. وكانت نوبات مماثلة شائعة في العديد من البلدان الأخرى. فقد شهدت اليابان على سبيل المثال ثلاث فترات ركود أثناء "عقدها الضائع"، بداية من التسعينيات، وعلى الرغم من سلسلة طويلة من برامج التحفيز الكينزية فقد عانت اليابان من الأعباء المترتبة على تراكم الديون العامة على نحو غير مسبوق في البلدان المتقدمة اقتصاديا.

ورغم أن التوقعات الأساسية تشير إلى نمو عالمي بطيء ـ نحو 3% في الولايات المتحدة، أو نصف المعدل المعتاد في أعقاب فترات الركود العميق ـ فإن التاريخ يشير إلى أن حدوث انحدار آخر لن يكون بالأمر المستغرب قبل أن يعود النمو القوي المستدام من جديد.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured