3

المكسيك على طريقة بوتن

مكسيكو سيتي ــ قبيل الانتخابات الرئاسية التي انتهت للتو في المكسيك، كان السخط العام إزاء الوضع في البلاد ملموساً وواضحا. فقد أبدى المكسيكيون من مختلف الفئات قدراً كبيراً من الانزعاج والقلق إزاء العنف المتصاعد، والنمو الاقتصادي الهزيل، والحكم الباهت من قِبَل حزب العمل الوطني. ومع مقتل أكثر من ستين ألف شخص في الحرب ضد المخدرات، اختار المكسيكيون ــ مثلهم في ذلك كمثل الروس في أعقاب سنوات الفوضى الأولى التي شهدتها عملية الانتقال الديمقراطي تحت قيادة بوريس يلتسين ــ الارتداد السياسي، الذي استند إلى الحنين إلى الحكم بيد صارمة من حديد، ولو كان حكماً فاسدا.

ومع ارتباط الديمقراطية الآن بالفوضى، والارتباك، وانعدام الأمن، فإن المستفيد من هذا كان الحزب المؤسسي الثوري، الذي حكم المكسيك سبعين عاماً حتى عام 2000. فقد وعد الحزب المؤسسي الثوري بإعادة ترسيخ النظام والاستقرار، والحد من العنف الذي تمارسه عصابات المخدرات، حتى لو كان ذلك يعني التوصل إلى تسوية مع تلك العصابات.

وجاءت استجابة المكسيكيين وفقاً لذلك، فعاقبوا حزب العمل الوطني لإشرافه على اقتصاد لم يتجاوز نموه 1,5% سنوياً في المتوسط على مدى الأعوام الاثني عشر الماضية، هذا فضلاً عن مستوى الانفلات الأمني الذي لم تشهد له المكسيك مثيلاً منذ ثورتها قبل مائة عام. ولكن لعل الأمر الأكثر أهمية هو أن الحزب المؤسسي الثوري حصد فوائد أفضل استثمار له في الأعوام الأخيرة: حملة الدعاية الدائمة التي حولت مرشحها، والآن رئيس المكسيك المنتخب الجديد إنريكي بينيا نيتو، إلى الشخصية السياسية الأكثر شعبية على الإطلاق في المكسيك.

إن بينيا نيتو نتاج للشبكتين التلفزيونيتين اللتين أعدتاه للسلطة ثم دفعتها به إلى الرئاسة. وكانت الاستراتيجية السياسية التي اعتمد عليها الحزب المؤسسي الثوري تتلخص في الأساس في نموذج "الفتى الذهبي": وجه وسيم، وأكوام من المال، ودعم شبكات التلفزيون وديناصورات النخبة المكسيكية، التي كانت متلهفة إلى العودة إلى السلطة. وبعبارة أخرى، يمثل صعود بينيا نيتو التحالف بين أنصار حُكم القِلة، والمصالح الاحتكارية المكتسبة، وقوى النظام، وشعب مخيب الرجاء في الديمقراطية الانتخابية.

يرى العديد من المكسيكيين في عودة السلطة إلى حزب حكم بطريقة استبدادية، ولم يضطر لكي يعود إلى تحديث نفسه، ليس مدعاة للأرق والانزعاج أو حتى الخوف. فهم ينظرون إلى عودة الحزب المؤسسي الثوري وكأنه عَرَض من أعراض الحياة الديمقراطية الطبيعية. ويتوقع أنصار التفاؤل أن يضطر الحزب المؤسسي الثوري إلى استنان الإصلاحات البنيوية التي كان حريصاً على منعها مراراً وتكراراً على مر السنين.

والواقع أن المكسيك ستكون محظوظة حقاً إذا كانت حقبة جديدة من الرئاسات المنتمية إلى الحزب المؤسسي الثوري بمثابة علامة صحية لتداول السلطة وليست خطوة مؤسفة إلى الوراء. ولكن أي تحليل معقول للحزب المؤسسي الثوري الحالي لا يدعم هذه التوقعات، بل ويكشف عن استنادها إلى لا شيء غير التمني والرجاء.

وكما قال توماس فريدمان، فهناك ثلاث مجموعات تتعايش في المكسيك اليوم: "أباطرة المخدرات، والرافضون المستفيدون من الوضع القائم، وأنصار اتفاقية التجارة الحرة لشمال أميركا وهم أبناء الطبقة المتوسطة الذين يريدون الازدهار والرخاء".

ويمثل الحزب المؤسسي الثوري بحكم التعريف "الرافضين". فهو يعارض الإصلاحات البنيوية الضرورية دفاعاً عن ممارسات عملائه الاستغلالية؛ ويرفض ترشيحات المواطنين لصالح نخب الحزب غير الخاضعين للمساءلة؛ ويشمئز من تحديث النقابات نظراً للممارسات الشركاتية التي نفذها؛ ويرفض اقتراح تفكيك الاحتكارات التي أسسها. إن أعضاء الحزب المؤسسي الثوري وبينيا نيتو يمثلون "مراكز فيتو"، لأنهم يشكلون المعارضة الرئيسية لأي تغيير من شأنه أن يؤدي إلى الانفتاح أو الخصخصة أو المواجهة أو إعادة تشكيل النظام الذي ابتدعوه، والآن عادوا إلى السيطرة عليه من جديد.

لقد أظهر الحزب المؤسسي الثوري في هذه الانتخابات أنه يمتلك من المال والوحدة والانضباط واشتهاء النجاح ما لا يملكه أي منافس آخر. ولكن من المؤسف أنه يظل يمثل منظمة نفعية فاسدة ذات مصالح خاصة ولا تؤمن بمشاركة المواطن، أو الضوابط والتوازنات، أو المنافسة، أو المساءلة، أو التدقيق في أعمال نقابات القطاع العام.

بيد أن الدولة التي يستعد الحزب المؤسسي الثوري لحكمها من جديد الآن تغيرت، ببطء ولكن بثبات. فقد أصبح شبابها أقل امتثالاً وإذعاناً وأكثر مطالبة، وأقل سلبية وأكثر تعددية. والآن تتلخص مهمة كل المكسيكيين الذين ساروا واحتشدوا، ثم وبخوا وعنَّفوا بينيا نيتو مؤخراً في الشوارع، في ضمان أن تظل ظاهرة بوتن روسية.

ترجمة: هند علي          Translated by: Hend Ali