Saturday, September 20, 2014
6

ثمن الحادي عشر من سبتمبر

نيويورك ـ كان المقصود من الهجمات الإرهابية التي شنها تنظيم القاعدة في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول من عام 2001 أن تلحق الأذى بالولايات المتحدة، ولقد نجحت في ذلك ولكن على نحو ربما لم يخطر قط على بال أسامة بن لادن. فقد أسفر رد الرئيس جورج دبليو بوش على الهجمات إلى تعريض المبادئ الأميركية الأساسية للخطر، وتقويض الاقتصاد الأميركي، وإضعاف أمن أميركا.

كان الهجوم على أفغانستان في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول مفهوما، ولكن ما تلا ذلك من غزو للعراق فإنه لم يكن متصلاً على الإطلاق بأفعال تنظيم القاعدة ـ على الرغم من كل المحاولات التي بذلها بوش لإيجاد أي ارتباط بين الأمرين. وسرعان ما أصبحت حرب الاختيار تلك باهظة التكاليف ـ حيث تجاوزت مطالبها الستين مليار دولار في مستهل الأمر ـ في ظل العجز الهائل والبيانات الكاذبة غير الشريفة.

والواقع أنني عندما قمت قبل ثلاثة أعوام مع ليندا بيلمز بحساب تكاليف الحرب التي تخوضها أميركا هناك، بلغ تقديرنا المتحفظ من 3 إلى 5 تريليون دولار. ومنذ ذلك الوقت تزايدت التكاليف. فمع استحقاق ما يقرب من 50% من القوات العائدة من هناك لتلقي مستويات ما من تعويضات العجز، وعلاج أكثر من 600 ألف من المحاربين القدامى حتى الآن في المرافق الطبية، فإن تقديراتنا الآن لمدفوعات العجز في المستقبل وتكاليف الرعاية الصحية قد تبلغ في مجموعها ما بين 600 إلى 900 مليار دولار. ولكن التكاليف الاجتماعية، التي انعكست في انتحار العديد من قدامى المحاربين هناك (والتي بلغت 18 حالة يومياً في الأعوام الأخيرة) وتفكك العديد من الأسر، فإنها غير قابلة للإحصاء.

وحتى لو كان بوسعنا أن نغفر لبوش جر أميركا وجزء كبير من بقية العالم إلى حرب قامت على ادعاءات كاذبة، وتزييفه لتكاليف تلك المغامرة، فلن نجد أي عذر للطريقة التي اختار بها تمويل الحرب. فقد كانت حربه هذه الأولى في التاريخ التي تُدفَع تكاليفها بالكامل بالاستدانة. ومع ذهاب أميركا إلى المعركة، في ظل العجز الذي كان قد ارتفع بالفعل إلى عنان السماء بسبب التخفيضات الضريبية التي أقرها بوش في عام 2001، قرر بوش المضي قدماً في جولة أخرى من "الإعفاءات" الضريبية لصالح الأثرياء.

واليوم، تركز أميركا على البطالة والعجز. وكل من الأمرين يهدد مستقبل أميركا، ومن الممكن تتبع أصله إلى الحربين في أفغانستان والعراق. ويشكل الإنفاق الدفاعي المتزايد، إلى جانب التخفيضات الضريبية التي أقرها بوش، سبباً رئيسياً وراء انتقال أميركا من فائض مالي بلغ 2% من الناتج المحلي الإجمالي عندما انتخب بوش على عجز بالغ الخطورة وديون هائلة اليوم. فقد بلغ الإنفاق الحكومي المباشر على هذين الحربين حتى الآن ما يقرب من 2 تريليون دولار ـ أي أن كل أسرة أميركية تكبدت نحو 17 ألف دولار ـ فضلاً عن فواتير أخرى منتظرة وقد ترفع هذا المبلغ بنسبة 50% أخرى.

فضلاً عن ذلك، وكما زعمت أنا وبيلمز في كتابنا "حرب الثلاثة تريليون دولار"، فإن هذه الحروب ساهمت في إضعاف أميركا على صعيد الاقتصاد الكلي، وأدت إلى تفاقم عجزها وأعباء ديونها. وآنذاك، كما هي الحال الآن، أدت الاضطرابات في الشرق الأوسط إلى ارتفاع أسعار النفط، وإرغام الأميركيين على إنفاق الأموال على الواردات من النفط، في حين كان بوسعهم لولا ذلك أن ينفقوا هذه الأموال لشراء سلع منتجة في الولايات المتحدة.

ولكن بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أخفى نقاط الضعف هذه من خلال هندسة فقاعة الإسكان التي أدت إلى فورة استهلاكية. وسوف يستغرق الأمر سنوات قبل أن يتسنى لأميركا أن تتغلب على المديونية المفرطة، فضلاً عن فرط النشاط في سوق العقارات.

ومن عجيب المفارقات هنا أن هذه الحروب كانت سبباً في تقويض أمن أميركا (والعالم)، ومرة أخرى على نحو ما كان ليخطر على ذهن بن لادن. إن التجنيد العسكري لأي حرب لا تحظى بالشعبية الكافية يصبح أمراً بالغ الصعوبة تحت أي ظرف من الظروف. ولكن في ظل محاولاته الرامية إلى خداع أميركا حول تكاليف الحروب، تعمد بوش التقصير في تمويل القوات، فرفض حتى النفقات الأساسية ـ ولنقل على سبيل المثال الإنفاق على المركبات المدرعة المقاومة للألغام والتي كانت مطلوبة لحماية حياة الأميركيين، أو الإنفاق على الرعاية الصحية المناسبة للجنود العائدين من الحرب. ومؤخراً قضت إحدى المحاكم الأميركية بأن حقوق المحاربين القدامى قد انتهكت. (والأمر اللافت للنظر أن إدارة أوباما تطالب بتقييد حق المحاربين القدامى في الاستئناف أمام المحاكم!).

ولقد أدى إجهاد المؤسسة العسكرية كما كان متوقعاً إلى التوتر إزاء استخدام القوة العسكرية، ولا شك أن معرفة الآخرين بذلك تهدد بإضعاف أمن أميركا أيضا. ولكن قوة أميركا الحقيقية، والتي تتجاوز قوتها العسكرية والاقتصادية، تكمن في "قوتها الناعمة" وسلطتها المعنوية. بيد أن هذا المصدر للقوة أيضاً أصابه الضعف والوهن: فمع انتهاك الولايات المتحدة لحقوق الإنسان الأساسية مثل المثول أمام المحكمة والحق في عدم التعرض للتعذيب، أصبح التزامها القديم بالقانون الدولي موضع تساؤل.

ففي أفغانستان والعراق، كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها يدركون أن النصر في الأمد البعيد يتطلب الفوز بالقلوب والعقول. ولكن الأخطاء التي ارتكبت في الأعوام المبكرة من هذه الحربين أدت إلى تعقيد هذه المعركة العصيبة بالفعل. إذ كانت الأضرار الجانبية الناتجة عن هذين الحربين هائلة: حيث تزعم بعض التقديرات أن أكثر من مليون عراقي فقدوا حياتهم، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، بسبب الحرب. ووفقاً لبعض الدراسات، فإن ما لا يقل عن 137 ألف مدني فقدوا حياتهم في أعمال عنف في أفغانستان والعراق في الأعوام العشرة الماضية؛ هذا فضلاً عن 1.8 مليون لاجئ من العراقيين فقط، ونحو 1.7 مليون عراقي نزحوا داخليا.

ولكن لم تكن كل هذه العواقب مأساوية. فالعجز الذي أسهمت الحروب الأميركية الممولة بالاستدانة في تفاقمه إلى حد كبير أسفر الآن عن إرغام الولايات المتحدة على مواجهة واقع القيود التي تحكم الميزانية. صحيح أن الإنفاق العسكري الأميركي لا يزال يساوي تقريباً إنفاق بقية دول العالم مجتمعة على الدفاع، رغم مرور عشرين عاماً منذ انتهاء الحرب الباردة. ولا شك أن بعض الإنفاق المتزايد ذهب إلى الحربين المكلفتين في العراق وأفغانستان، والحرب العالمية الأوسع نطاقاً ضد الإرهاب، ولكن أغلب هذا الإنفاق أهدِر على أسلحة غير فعّالة تستخدم ضد أعداء لا وجود لهم. والآن بات من المرجح أن تتم إعادة تخصيص هذه الموارد على الأقل، ومن المرجح أن تحصل الولايات المتحدة على المزيد من الأمن بالإقلال من إنفاقها العسكري.

إن تنظيم القاعدة، رغم أنه لم يقهر بعد، لم يعد يشكل ذلك التهديد الذي لاح في الأفق ضخماً مهولاً في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول. ولكن الثمن الذي تكبدته الولايات المتحدة، وغيرها من بلدان العالم، لبلوغ تلك النقطة كان باهظا ـ وكان من الممكن تجنب القدر الأعظم منه. وسوف تظل هذه التركة معنا لوقت طويل، وسوف تدفعنا في المستقبل إلى التفكير قبل التصرف.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (6)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedDavid Donovan

    CommentsView/Create comment on this paragraphBut then the US Federal Reserve hid these weaknesses by engineering a housing bubble that led to a consumption boom. It will take years to overcome the excessive indebtedness and real-estate overhang that resulted.

  2. CommentedPeter Buchi

    @Mark Pitts: Why do you lump socialist governments in with totalitarian communists? Isn't that a bit disingenuous? I would hardly call Sweden a murderous country, nor most of the rest of western Europe, yet these countries are mostly socialistic in their governing, in practice, if not always in theory. It's not helpful to the debate to have people on the Right continually misusing terms like "liberal" and "socialism".

  3. Commentedjohnny mac

    The article references a "war of choice." I'd agree. It was an American war of choice. The majority of the Democrats in the House voted "Yes" for the war, as did the majority of the Democrats in the Senate. When the bill for $100 billion to fund the war came up for vote, 37 of 49 Democrats in the Senate voted "Yes". Nancy Pelosi and Hillary Clinton were among the most outspoken supporters. Years later it's laid at Bush's feet by plotting souls such as yourself, and accepted as gospel by the willingly naive. Fortunately, facts are much easier to access today than they once were, making liberal hogwash easier to dispel. We collectively share responsibility for Iraq. A country, it should be noted, that is now free from the oppression of a sadistic dictator, and that has a representative government and a growing economy. Perspective, Mr. Stiglitz. Crank up the prescription on those coke-bottle lenses and get ya some.

  4. CommentedAly Kamadia

    Excellent article!! It's a nice reminder about the catastrophic mistakes that the Bush administration made in their foreign policy, something that many Republicans have forgotten about, not to mention many public commentators and the American electorate in general. - Kamadia.ca

  5. CommentedWilliam Wallace

    "... together with the Bush tax cuts, is a key reason why America went from a fiscal surplus of 2% of GDP when Bush was elected to its parlous deficit and debt position today."

    This is the glaring truth that the GOP manages to obfuscate, and gives the lie to the ability of the current Republican Party to be fiscally responsible. Indeed, if one accesses the GAO figures for 1980-present, the so-called Reagan Revolution of no-tax-and-spend-even-more is what has massively eroded government finances. That Obama has done so well in spite of inheriting this horrid mess is a testament to the value of reason and clear thinking over extreme partisan politicking.

      CommentedMark Pitts

      Also, keep in mind that Clinton left office just before the internet bubble burst so Bush, like Obama, inherited a burst bubble and rapidly falling asset prices. Then, there was 9/11 ...

      CommentedMark Pitts

      Obama actively worked to extend the Bush tax cuts. Without his efforts, the Bush tax cuts would have expired automatically.

      The Iraqi war cost are a relatively small part of the equation.

  6. CommentedThomas Haynie

    I’m mostly a fan of Stiglitz’s work but I just started reading the “Cost of Inequality”. I’ve not finished the preface yet but something comes to mind as Stiglitz discusses the shift to embracing a value set that is devoid of a moral compass. Somewhat recent work in psychology found that the concentration of sociopaths, those who lack empathy and simply don’t feel others pain as the rest of us do, increases the higher up the corporate ladder the samples were taken. This is discussed on a “Through the Wormhole” episode on the Science channel. Allegedly at least some of this behavior is genetic. This begs the question of whether or not top execs have dumped their moral values or are simply people following their own self interest and naturally finding their way to massive wealth and power. Though, perhaps the behavior can be learned as the rewards are witnessed.

      Commentedjames durante

      To Mark Pitts: do we still get to make John Bircher logical fallacies? "It's either capitalism or the commies, boys."

      I doubt a genetic predisposition to sociopathology. Most elites run in elite circles all their lives or adapted as they climb the ladder. There are no shortage of classic capitalist texts that proclaim the necessity of dismissing all personal considerations and letting the market and strategic decisions aimed at market dominance to guide ALL thinking. The is the ideological underpinning of the amorality rampant in today's economics and economic policy-making. There is a tax deductible, charitable contribution available to any rich person or corporation who still has some concern for others.

      Anyway, as economics is a subset of politics there are all manner of overarching policy directions that might restore a sense of fair play and public good to what has become a swamp of greed.

      CommentedMark Pitts

      And history shows that "caring" socialist / communist governments are the most murderous of all (Soviet Union, China, Cambodia - murdering many more than the Nazis).

      So, what should we conclude?

Featured