إن كل أزمة مالية تعصف بنا تكون دوماً مستغلقة على أفهامنا ـ سواء قبل حدوثها أو أثناء حدوثها. إلا أننا، وعلى النقيض من ذلك، نفهم أزمات الماضي كل الفهم. فالمحاسبون يراجعون دفاترهم، وكل مشارك يروي جانبه من القصة للصحف (أو أمام قاضٍ في بعض الأحيان)، والساسة يفسرون الأسباب التي تدفعهم إلى التدخل، وفي النهاية يجمع المؤرخون أطراف القصة.
ولأن الماضي أمر معلوم فإن أفضل وسيلة لفهم أي أزمة حالية تتلخص في البحث عن نموذج بين التجارب الماضية، حتى تلك التجارب التي مرت منذ أمد بعيد. ولكن كيف لنا أن نتعرف على النموذج السليم بين النماذج المختلفة؟
كثيراً ما يعتمد الاختيار على الحدس، أو الميل إلى التفاؤل أو التشاؤم، أو التوجهات السياسية، أكثر من اعتماده على التقييم العقلاني لأوجه التشابه وجوانب الاختلاف. في الوقت الحالي، هناك تاريخان يحظيان بشهرة واسعة، العام 1907، والعام 1931.
في مستهل أزمة الائتمان الحالية، سارع العديد من المحللين من ذوي العقلية التاريخية إلى اختيار أزمة العام 1907 باعتبارها السابقة الرئيسية لأزمتنا الحالية. وتلك الأزمة لا يفصل بينها وبيننا قرن من الزمان فحسب، بل إنها أيضاً تبدو جذابة كحالة تماثل. لقد كانت أزمة العام 1907 فورية التخريب، وأسفرت عن انكماش اقتصادي شديد ولكنه كان انكماشاً قصير الأمد، وكما تبين بعد ذلك فقد كانت حلول تلك أزمة يسيرة.
كان الهلع في العام 1907 قد بدأ في الولايات المتحدة، في أعقاب ارتفاع أسعار الفائدة بعد تعويض المزارعين في الغرب عن محاصيلهم، والفضائح المالية التي تورطت فيها إحدى المؤسسات المالية الكبرى في نيويورك.
وبدون سابق إنذار، تماماً كما يحدث اليوم، انعدمت الثقة حتى بين البنوك الكبرى. كان الانهيار راجعاً في الأساس إلى الافتقار إلى السيولة، وكان من الممكن استرداد السيولة بسهولة بعدة وسائل: فأصدرت بنوك نيويورك سيولة خاصة بها عن طريق دار للمقاصة؛ وبادرت مؤسسة جيه. بي. مورغان المالية القوية إلى شراء الأسهم المنهارة، وبهذا تراجعت حالة الهلع والبحث عن السيولة في السوق؛ كما زودت البنوك المركزية الأوروبية الأسواق الأميركية بالذهب.
كان الدرس الواضح الذي تعلمه الأميركيون من أزمة 1907 أن البنوك المركزية هي المؤسسات المثلى القادرة على استرداد السيولة حين يعم الهلع المالي، وأن الإصلاح النقدي كان ضرورياً على الأمد البعيد لمنح الولايات المتحدة بنكاً مركزياً خاصاً بها، وهو بنك الاحتياطي الفيدرالي الذي تأسس في العام 1914. وعلى هذا فقد تحولت أزمة العام 1907 إلى ترنيمة عذبة في وقت الشدة المالية: فكل السبل أمام الأزمات مسدودة ما دام البنك المركزي يفهم كافة أبعاد مشكلة السيولة فهماً جيداً.
ثمة حالات تشابه معاصرة. فقد بادر بنك الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي مؤخراً إلى ضخ كميات هائلة من السيولة إلى شرايين النظام المالي العالمي. ولقد قامت المؤسسات الخاصة ذات المكانة الإستراتيجية بدورها في دعم الثقة. فقد بثت مؤسسة غولدمان ساش، على سبيل المثال، رسالة واضحة، حين قامت علناً بشراء الأصول المعرضة للخطر في الصندوق العالمي لفرص التمويل التابع لها.
كانت أشد حالات التشابه قتامة تلك الأزمة التي أطلق عليها "الأزمة العظمى" في ثلاثينيات القرن العشرين، حين لم ينجح ضخ أي مقادير من السيولة في علاج المشكلة. وهذا هو القياس التاريخي الذي استخرجته الجهات التي تريد من الحكومات أن تفعل المزيد، وخاصة البنوك التي تشعر بأنها عرضة للخطر وتحتاج إلى معونة عامة عاجلة. ففي شهر أغسطس/آب 2007، بدأت بعض البنوك الألمانية، مع اشتمامها لأول علامات الأزمة بسبب تعاملها مع سوق الرهن العقاري الثانوي في الولايات المتحدة، في التحدث عن أزمة العام 1931.
كان انهيار البنوك أثناء الأزمة العظمى سبباً في اشتداد قسوة دورة الانكماش. فكان انهيار البنوك يسرى كالعدوى عبر الحدود الوطنية. ولم يكن المطلوب من الحكومات آنذاك أن تساعد بتقديم مجموعة من المعونات العامة واستصدار التشريعات الجديدة التي تضمن الودائع فحسب، بل لقد كان لزاماً عليها أيضاً أن تقي مواطنيها من التأثيرات الدولية المزعزعة للاستقرار.
لقد عادت هذه اللغة الخطابية ذات النزعة القومية إلى البروز من جديد أثناء أزمة العام 2007. فالألمان لا يرون سبباً يفرض عليهم تحمل الخسارة نتيجة لرداءة تنظيم عملية الإقراض العقاري في مدن واقعة في قلب الولايات المتحدة. وفي بريطانيا يرى المودعون في بنك نورثرن روك أن التطورات الأخيرة في أميركا مسئولة عن الاضطراب الائتماني الذي جعل من المستحيل على البنك أن يمول عمليات الإقراض.
الحقيقة أن كل هذه القياسات التاريخية غير مقنعة. فنحن لا نعيش في العام 1907، حين كان معيار غطاء الذهب يحد من قدرة البنوك المركزية على توفير أي سيولة إضافية. كما أن انهيار الأسعار، في أعقاب أسرع خمسة أعوام من النمو الاقتصادي يشهدها التاريخ البشري، لا يشكل تهديداً بالنسبة للنظام المالي، كما حدث أثناء "الأزمة العظمى".
إن مواجهة أزمة اليوم بالأسلوب الذي ووجهت به أزمتي 1907 و1931 لن تؤدي إلا إلى تفاقم الأمور سوءاً. ذلك أن الاستمرار في حقن الأسواق بالسيولة يعني تعاظم احتمالات تضخم فقاعات أسعار الأصول العقارية من جديد، وأسعار الأسهم، بل وأسعار الفنون الحديثة. إن محاولات الحكومة لتثبيت النظام المصرفي إما أن تكون على الصعيد الدولي، الأمر الذي لابد وأن يستفز الشكاوى من جانب دافعي الضرائب الغاضبين بشأن مسارعة حكوماتهم إلى دعم الآخرين، أو أن يكون على الصعيد الوطني، ولكن على حساب تمديد الأنظمة التي تقيد من حرية تحرك رأس المال إلى حد عظيم. ولكن ليست هناك ضرورة تدفعنا إلى أي من المسارين.
إذا كان لأزمة الائتمان الحالية أية حالات مشابهة، فهي أقرب إلى "الأزمات الطبيعية" التي شهدها القرن التاسع عشر، مثل أزمة العام 1837، وأزمة العام 1847، وأزمة العام 1857. في هذه الأزمات تسببت الابتكارات المالية الجديدة في حالة من عدم اليقين والعصبية، إلا أنها كانت السبب أيضاً في استحثاث عملية تعليمية مفيدة وعلى قدر عظيم من الأهمية. فقد واصلت المؤسسات المالية التي نجت من تلك الأزمات في الاضطلاع بدور حيوي في دفع المزيد من التنمية، فكانت هذه الأزمات سبباً في تعزيز سمعة هذه المؤسسات التي صمدت في وجه التحدي.
في بعض الأحيان قد يكون من الضروري أن تتجاهل السلطات النقدية والمالية حالات التشابه التاريخية المضللة، وأن تركز على الصورة الأكثر شمولاً. وفي بعض الأحيان أيضاً قد يكون أفضل رد على الأزمات هو التالي: "لا تقف هناك وتكتفي بأن تفعل شيئاً فحسب؛ بل قف كالمتفرج ولا تفعل أي شيء".


Comments (0)
You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.
The two commenting options explained
Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.
1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.
2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.