Tuesday, September 16, 2014
0

عملية السلام والربيع العربي

دنفر ـ إن الخطاب الذي ألقاه الرئيس باراك أوباما حول الانتفاضات الشعبية التي تجتاح الشرق الأوسط، والذي أعقبته زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأخيرة إلى واشنطن، كان المقصود منه دفع الجهود مجدداً في محاولة لإحياء عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية. بيد أن الأمور لا تسير في الاتجاه المقرر.

فبدلاً من ذلك، انتهز نتنياهو فرصة خطاب أوباما للتأكيد على معارضته الموثقة لحل الدولتين القائم على العودة إلى حدود ما قبل عام 1967. ولقد اختار نتنياهو عدم تناول قضية استخدام هذه الحدود كنقطة انطلاق للمفاوضات، أو حتى قبول الفكرة التي طرحها أوباما بمقايضة أجزاء من الأرض بأجزاء أخرى (رغم أن هذه الفكرة تشكل العنصر الشائع في مفاوضات السلام الدولية) كوسيلة للتحرك من نقطة الانطلاق تلك إلى لعبة النهاية.

كان رد نتنياهو على مبادرة أوباما بمثابة الإشارة إلى ما كان واضحاً لبعض الوقت: ألا وهو أن تزامن العملية الإقليمية المعقدة المعروفة باسم الربيع العربي مع عشية عام الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة يشكل ظرفاً بالغ الصعوبة لمحاولة بدء عملية السلام من جديد. وكما أشارت تصريحات نتنياهو، فإن الإسرائيليين لديهم بعض المخاوف الخطيرة: فإذا ظلت المعادلة الأساسية رغم كل شيء هي "الأرض في مقابل السلام"، فمن سيكون محاوروهم بعد أن ينقشع الغبار في العالم العربي؟

إن هذه اللحظة المضطربة تشكل فرصة مناسبة لطرح بعض التساؤلات الأساسية حول جهود السلام ذاتها، فهي العملية التي امتد طولها عبر السنين حتى تجاوز أعمار بعض الأشخاص المشاركين فيها.

لقد ظلت عناصر التسوية النهائية معروفة لسنوات عديدة: قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة ـ وهو الهدف الذي أيده آخر رئيسين أميركيين ـ إلى جانب حدود آمنة لإسرائيل، وبعض الترتيبات بشأن القدس، فضلاً عن حزمة اقتصادية. وبتعبئة هذه العناصر وبيعها كلعبة داخلية، فإن اللاعبين المشاركين فيها لن يجدوا صعوبة كبيرة في جلب السلام إلى الشرق الأوسط. ورغم ذلك، ظلت كافة الأطراف، بما في ذلك العديد من وسطاء السلام، عاجزة عن الفوز بجائزة السلام.

والآن بعد أن تزامن الموقف الإقليمي الصاخب مع موسم الانتخابات الأميركية الصاخب أيضا (حيث لا تستبعد أي قضية من الساحة السياسية)، فإن مهمة تجميع هذه العناصر سوف تكون أشد صعوبة.

من السابق لأوانه الآن تقييم الأثر التاريخي للربيع العربي، ولكن إذا كان بوسعنا اليوم أن نستخلص استنتاجاً واحداً فهو أن إسرائيل وجيرانها الفلسطينيين لا ناقة لهم ولا جمل في الأمر. وبالنسبة للأميركيين (وغيرهم) الذين يعتقدون أن العالم العربي لا يفكر في شيء غير القضية الفلسطينية، فلابد وأن تكون الأحداث التي شهدها هذا الربيع في شمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية، بل وحتى بلاد الشام، قد أقنعتهم بخلاف ذلك.

وبوسعنا في الأشهر المقبلة أن نتوقع من بلدان المنطقة أن تستمر في تركيزها على قضايا الحكم وبناء القدرات، وحقوق الإنسان، وكيفية إنشاء الاقتصاد القادر على الاستجابة لمطالب مواطنيها المتململين الراغبين في حياة أفضل. وسوف يناضل الزعماء العرب الجدد بكل قواهم ضد توقعات الجماهير المتصاعدة، ولا شك أن استعدادهم لدعم عملية السلام سوف يأتي في مرتبة تالية لهذا النضال في الأهمية.

وعلى هذا فقد يكون بوسعنا أن نزعم أن عملية السلام، أثناء هذه الفترة الانتقالية الحساسة، وفي ظل الغياب التام لأي مؤشر للتقدم، قد تستفيد ـ في الوقت الحاضر على الأقل ـ من الجمود إن لم يكن الإهمال الحميد. فعندما لا يتحرك أي شيء في الاتجاه الصحيح فإن الخطوة المناسبة قد تكون الضغط على زر الإيقاف المؤقت.

وهنا يتعين على كافة الأطراف أن تتوخى الحذر. فقد شهدنا مناقشات مطولة حول الكيفية التي قد تؤثر بها التطورات الإقليمية في نهاية المطاف على عملية السلام. فعلى سبيل المثال، سوف يكون لزاماً على أي قيادة في مصر أن تتعامل مع هياكل داخلية أكثر ديمقراطية (مثل اللجان البرلمانية) في المستقبل. ولكن غياب عملية السلام قد يؤثر في النهاية أيضاً على التطورات الداخلية في بلدان الشرق الأوسط التي تشهد إصلاحا. ولا ينبغي لنا أن نتجاهل كيف قد يؤدي غياب عملية السلام في النهاية إلى تآكل المكاسب الهشة (وغير الشاملة بأي حال من الأحوال) في بقية بلدان العالم العربي.

ففي حالة غياب عملية السلام، قد يغري الفراغ الناتج البعض في العالم العربي إلى التعامل مع مشكلة ارتفاع التوقعات الاقتصادية ـ وللأسف الشديد، التوقعات السياسية المتبددة ـ من خلال الغوغائية العتيقة في مناهضة إسرائيل. والحق أن واحداً من أكثر جوانب الربيع العربي إنعاشاً للنفس وبثاً للأمل يتلخص في تراجع الراديكالية العربية في مواجهة أناس حقيقيين حريصين على معالجة مشاكل حقيقية. ولكن غياب عملية السلام قد يشجع عودة الراديكالية.

لذا، فإن صناع القرار السياسي يواجهون تحديات صعبة. فمن الأهمية بمكان أن يستجيبوا للربيع العربي بالمساعدة التي تتناسب مع الاحتمالات التاريخية التي تحملها هذه الحركة. والواقع أن الجهود التي تبذلها إدارة أوباما في مصر، فضلاً عن مقترحات مجموعة الثماني فيما يتصل بالخطوات الواجب اتخاذها في التعامل مع المنطقة ككل، تشير إلى أن الزعماء الدوليين يدركون أن اللحظة الحالية تاريخية وحاسمة.

ولكن هذا الإدراك لن يكون كافيا. بل يتعين على زعماء العالم أن يعينوا عملية السلام المتعثرة على الوقوف على قدميها بثبات ثم الانطلاق إلى الأمام بكل قوة.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured