Saturday, October 25, 2014
0

مفارقة رد الفعل

سنغافورة ـ لقد شهد العالم مؤخراً اثنين من ردود الأفعال الدبلوماسية الكبرى. فكان رد الفعل الأول من جانب اليابان التي قررت تحت الضغوط الصينية المتنامية إطلاق سراح قبطان السفينة الصينية الذي صدم قارب دورية بحرية يابانية من دون قيد أو شرط. وكان الثاني من جانب الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي لم يفعل أي شيء حين رفضت إسرائيل تمديد تجميدها للأبنية الجديدة في الضفة الغربية، الأمر الذي أدى إلى ابتهاج شديد من جانب المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية.

وقد يكون الخاسر في الأمد القريب واضحا. ولكن في الأمد البعيد قد لا تكون النتيجة بهذا الوضوح. والصين بصورة خاصة يتعين عليها أن تزن بعناية الثمن السياسي الذي قد تتكبده في الأمد البعيد في نظير احتفالها بانتصارها المزعوم على اليابان.

وفقاً لقانون نيوتن الثالث للحركة فإن "لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه". والجغرافيا السياسية تعمل وفقاً لقانون مماثل: فكلما رأى العالم قوة صاعدة جديدة، تسعى القوى العالمية الأعظم القائمة آنذاك إلى منع هذا الصعود سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. والقوة العالمية الأعظم اليوم هي الولايات المتحدة، والقوة الناشئة الأعظم هي الصين. ومن المدهش حتى الآن أن الولايات المتحدة لم تبادر إلى صياغة استراتيجية واضحة لمنع صعود الصين.

والواقع أن الأسباب وراء هذا الانحراف الجغرافي السياسي بالغة التعقيد. ولكن العامل الرئيسي يتلخص في تقيد زعماء الصين حتى وقت قريب بنصيحة دنج شياو بنج الحكيمة: "عليكم بإخفاء قدراتنا وتجنب الأضواء". والواقع أن القرار الذي اتخذته الصين بإرغام اليابانيين على الإذعان بشأن سفينة الصيد يشير إلى أن الصين ربما قررت الآن إلقاء حذر دنج شياو بنج الجغرافي السياسي من النافذة.

وعلى نحو أكثر تهورا، وبعد تأمين إطلاق سراح قارب الصيد، طالبت الصين باعتذار من اليابان. من القواعد الثابتة في العلاقات الدولية ألا تطالب أبداً بما لا يمكن تحقيقه. فبعد ما تعرضت له اليابان من إذلال من جانب بالصين ، فإن مثل هذا الاعتذار يشكل انتحاراً سياسياً بالنسبة للحكومة اليابانية.

والواقع أن الصين ينبغي لها أن تأمل ألا يحدث أي اعتذار من هذا القبيل. ففي العقود القليلة الماضية، تحولت اليابان إلى نمر نائم. فبعد أن تفوقت اليابان على بقية بلدان آسيا لأكثر من قرن من الزمان، قرر اليابانيون أن يبطئوا من خطواتهم بعض الشيء. لقد فقدت اليابان الدافع لكي تظل واحدة من القوى العظمى في العالم، وقد لا تستعيد ذلك الدافع أبدا.

ولكن نظراً لتاريخ اليابان فمن الحماقة أن نستخف بقدراتها. وفي حين يعرب العالم عن حنقه إزاء الأسلحة النووية الكورية الشمالية والإيرانية، فمن المفيد أن نذكر أنفسنا بأن اليابان، لو اختارت ذلك، قادرة على التحول إلى قوة نووية في غضون أسابيع. فهي تمتلك كافة المكونات، ولكن الذكريات الأليمة المتخلفة عن قصف هيروشيما وناجازاكي في الحرب العالمية الثانية ساعدت في إبقاء قادة اليابان حتى الآن بعيداً عن السعي إلى بناء مخزون من الأسلحة النووية.

فضلاً عن ذلك، فإذا كانت اليابان في حاجة إلى حلفاء لمعادلة صعود الصين، فإنها قد لا تلجأ إلى الولايات المتحدة فحسب، بل وقد تتجه أيضاً نحو روسيا والهند. ونستطيع أن نقول باختصار إن الأوراق الجغرافية السياسية قد تتحول لصالح اليابان إذا بالغت الصين في استخدام أوراقها.

وعلى نحو مماثل سنجد أن الجغرافيا السياسية لا تعمل لصالح إسرائيل فيما يتصل بقضية الضفة الغربية. فعندما كانت هيمنة الولايات المتحدة على العالم غير قابلة للجدال، كما كانت حالها في التسعينيات، كان من المنطقي أن تسعى إسرائيل إلى تأمين مستقبلها في الأمد البعيد من خلال إحكام قبضتها على الكونجرس الأميركي. ولكن القوة الأميركية بلغت ذروتها وبدأت في الانحدار. ففي أوج قوتها كانت الولايات المتحدة التي تشكل 5% من سكان العالم تستحوذ على ما يقرب من 30% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وبفضل هذا الأداء الاقتصادي الرائع، كان بوسع الأميركيين أن ينفقوا على الدفاع أكثر مما تنفقه بلدان العالم مجتمعة. وبطبيعة الحال أدى كل هذا إلى غطرسة جغرافية سياسية في واشنطن وفي تل أبيب.

وفي حين من المحتم أن تنحدر قوة الولايات المتحدة من الناحية النسبية، فإن قوة ما يقرب من 1,3 مليار مسلم يعيشون في العالم الإسلامي ـ الغالبية العظمى منهم يعيشون في آسيا ـ سوف تتزايد لا محالة. ذلك أن المد الاقتصادي الصاعد الذي يرفع الصين والهند سوف يرفعهم أيضا. ويتسم المسلمون الآسيويون بنفس العقلية التي يتسم بها الصينيون والهنود. وما تفعله الصين والهند اليوم، سوف تفعله المجتمعات الإسلامية غدا. ونتيجة لهذا فإن مجموع الناتج المحلي الإجمالي للبلدان الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي ـ التي تشكل الآن نحو 13% فقط من الناتج العالمي ـ سوف يتضاعف بسهولة في العقود المقبلة.

وهذا يعني أن الوقت لم يعد في مصلحة إسرائيل. فقد تبين أن الأمن الذي تعززه القوة العالمية الأميركية التي لا تنازعها قوة أخرى ليس أكثر من ضرب من ضروب الوهم. فقريباً سوف تضطر الولايات المتحدة إلى إجراء تعديلات جغرافية سياسية كبرى، وخاصة إذا انحدر أداؤها الاقتصادي في العقد أو العقدين المقبلين. وكما حدث مع الاتحاد السوفييتي السابق، فإن الولايات المتحدة سوف تضطر إلى ابتكار بيريسترويكا خاصة بها وإلى خفض إنفاقها الدفاعي.

وفي اعتقادي بوصفي صديقاً لإسرائيل فإنه لمن المستغرب إلى حد كبير ألا يبادر المزيد منا إلى دعوة قادة إسرائيل إلى انتهاز الفرصة الجغرافية السياسية السانحة الآن لتطبيق حل الدولتين، في حين ما زال العرض مطروحاً على الطاولة. إن الإذلال الإسرائيلي المتواصل للفلسطينيين، والذي يبث الآن مباشرة إلى بيوت مئات الملايين من المسلمين، يعمل على توليد مخزون هائل لا لزم له من الكراهية. ولا شك أن مشاهد المستوطنين المبتهجين في الضفة الغربية لن تعمل إلا على تفاقم هذه المشاعر.

والواقع أن الخلاف الذي وقع مؤخراً بين إسرائيل وأفضل أصدقائها في العالم الإسلامي، ألا وهي تركيا، كان لابد وأن يزود قادة إسرائيل بلمحة من العالم الجديد الآتي. لقد كان الخلاف مع تركيا بمثابة هزة صغرى، وفي انتظار الزلزال الجغرافي السياسي الأعظم القادم لا محالة، فقد آن الأوان لكي تتحرك إسرائيل في الاتجاه الصحيح.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured