Thursday, July 31, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

الفرصة في سول

سول ـ إن الكوارث تخرج عادة من رحم الغطرسة والكبرياء. والواقع أن السبب الرئيسي للأزمة العالمية الحالية كان الغطرسة الفكرية في هيئة اعتقاد أعمى بأن الأسواق قادرة دوماً على حل مشاكلها وتناقضاتها. وبعد ثلاثين عاماً من ثورة ريجان-تاتشر، بدأ الثقل الإيديولوجي في التحول في الاتجاه المعاكس.

على مدى الأعوام المائة الماضية، كان كل تحول بهذا الحجم في المعتقدات بشأن العلاقة بين الدولة والسوق، يعقبه اضطراب سياسي اقتصادي عظيم. على سبيل المثال، كانت الحرب العالمية الأولى بمثابة النهاية لليبرالية عدم التدخل التي سادت في القرن التاسع عشر، والبشير بقدوم فترة تسودها أنظمة اقتصادية تتسم بمركزية الدولة. ثم أتت أزمة الكساد الأعظم والحرب العالمية الثانية لينفتح الطريق أمام عصر جديد يسوده نظام بريتون وودز الذي اتسم بعلاقة أكثر توازناً بين الدولة والسوق.

وعلى نحو مماثل، أنهت الأزمة المالية العالمية في عام 2008 ثلاثة عقود من الليبرالية الجديدة، التي اتسمت بالتجارة الحرة والعولمة المالية. وحتى الآن ما زلنا لا نعرف طبيعة العصر الذي ينتظرنا؛ والأمر الوحيد الذي نستطيع أن نجزم به هو أن الاقتصاد العالمي أصبح في منتصف فترة من التحول الأساسي، وأن الطرق القديمة لن تفلح بعد الآن.

والواقع أن مصدر القلق الرئيسي في هذه الفترة من عدم اليقين هو ما إذا كان التحول إلى نموذج جديد أمر ممكن من دون المزيد من زعزعة استقرار النظام الاقتصادي السياسي الدولي. وهناك بالفعل بعض الإشارات الخطيرة التي لا تبشر بالخير ـ وأهمها حرب العملة بين الولايات المتحدة والصين، وانتشارها إلى بلدان أخرى.

والواقع أن أوجه التشابه المزعجة بين الظروف العالمية الحالية وأوائل الثلاثينيات أكثر من أوجه الاختلاف بين الفترتين. فآنذاك كانت كل دولة تنظر إلى الداخل، وتهدر الفرص الثمينة لتحقيق الازدهار المشترك من خلال تنسيق السياسات الدولية. ولقد أدى الفراغ القيادي الناجم عن عزوف أميركا عن التعاون، وعجز بريطانيا المفاجئ عن الاستمرار في القيادة، إلى فشل مؤتمر لندن في عام 1933، والذي كثيراً ما يُنظَر إليه باعتباره سبباً في تمهيد الطريق إلى الكساد الأعظم وكارثة الحرب العالمية الثانية.

وبعد استيعاب دروس الثلاثينيات، بُني النظام الاقتصادي العالمي في مرحلة ما بعد الحرب على شبكة من المؤسسات الدولية، مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وفي النهاية منظمة التجارة العالمية. ولكن دروس الماضي تبدو الآن بعيدة في أذهان صناع القرار السياسي، في حين تبدو الضغوط السياسية المحلية الرامية إلى إعطاء الأولوية القصوى للمصالح الاقتصادية الوطنية ساحقة.

فضلاً عن ذلك فإن المؤسسات التي أنشئت في الأيام التي تلت الحرب العالمية الثانية لم تعد فعّالة بالقدر الكافي للتصدي للتحديات الجديدة التي يفرضها الاقتصاد العالمي، وبالتالي فقدت بعض شرعيتها. على سبيل المثال، عانت سلطة صندوق النقد الدولي في العقود الأخيرة ـ وخاصة في آسيا ـ نتيجة لالتزام الصندوق العميق بالمعتقدات القويمة لليبرالية الجديدة وما أطلق عليه "إجماع واشنطن".

إن إعادة تنشيط هذه المؤسسات تشكل الخطوة الأولى نحو حل المشاكل التي يعاني منها الاقتصاد العالمي حاليا. فنحن في احتياج إلى مساعدة هذه المؤسسات لنا في تنفيذ القواعد والمبادئ وإجراءات صنع القرار، وبالتالي التخفيف من المشكلة المزمنة المتمثلة في ركاب المجان من البلدان المتقاعسة في ظل مجتمع دولي شبه فوضوي.

وعلى هذا فإن المهمة الأولى لقمة مجموعة العشرين في الحادي عشر والثاني عشر من نوفمبر/تشرين الثاني في سول لابد وأن تتلخص في إعادة تنشيط وتعزيز قوة صندوق النقد الدولي والتنظيم المالي العالمي. وإذا تمكن قادة مجموعة العشرين من إحراز تقدم ملموس في اتجاه حل مشكلة مفاوضات جولة الدوحة للتجارة الحرة، فإن هذا من شأنه أن يضيف إلى زخم الجهود الرامية إلى تثبيت استقرار الاقتصاد العالمي.

وهناك من الدلائل ما يشير إلى أن قمة سول قد تصيب النجاح. فقد أسفر اجتماع وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة العشرين في مدينة كيونجيو بكوريا الجنوبية في الثاني والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول عن تحقيق بعض الإنجازات الجديرة بالملاحظة، مثل تحويل 6% من حصة التصويت في صندوق النقد الدولي من أوروبا ذات التمثيل المفرط في الصندوق إلى البلدان الناشئة ذات التمثيل المنقوص، ومضاعفة حصة البلدان الأعضاء، وخفض مقعدين من التمثيل الأوروبي في مجلس إدارة الصندوق.

ولقد أطلق المدير الإداري لصندوق النقد الدولي دومينيك شتراوس كان وصف "التاريخية" على هذه الخطوة، واعتبرها القرار الأعظم أهمية فيما يتصل بحكم الصندوق منذ تأسيسه في عام 1944.

كما تم تخويل صندوق النقد الدولي بإجراء عملية التقييم المتبادل لسياسات الاقتصاد الكلي في كل دولة على حِدة، ضمن إطار يهدف إلى تحقيق النمو القوي المستدام المتوازن. وينبغي لهذه السلطة أن تسمح للصندوق بالتفتيش حتى على أقوى دولتين اقتصاداً على مستوى العالم، الولايات المتحدة والصين. ويُعَد الاتفاق الأخير الذي توصلت إليه لجنة بازل للإشراف المصرفي بشأن تأسيس إطار عمل جديد لكفاية رأس المال خطوة أخرى إيجابية.

بيد أن القضايا الرئيسية العالقة في أذهان قادة مجموعة العشرين سوف تتلخص في أسعار الصرف واختلال التوازن العالمي. ففي اجتماع كيونجيو تقرر أن تتحرك بلدان مجموعة العشرين في اتجاه أسعار صرف تحددها السوق، وملاحقة "سياسات مفضية إلى التخفيف من اختلال التوازن المفرط والحفاظ على الخلل في توازن الحساب الجاري عند مستويات مستدامة".

وقد يتم طرح هاتين القضيتين للمزيد من المناقشة على الطاولة في سيول، أو قد لا يتم طرحهما. وإذا تمكن قادة مجموعة العشرين من التوصل إلى اتفاقيات محددة وفعّالة فيما يتصل بأسعار الصرف واختلال التوازن العالمي من دون أن يطغى ذلك على قضايا أخرى، فسوف تتحسن احتمالات نجاحهم في الوصول بالاقتصاد العالمي إلى بر الأمان إلى حد كبير. وإن لم يحدث ذلك فإن تدابير الحماية والحروب التجارية سوف تتصاعد، وهذا من شأنه أن يقربنا خطوة أخرى من إعادة تمثيل كابوس الثلاثينيات.

وفي كل الأحوال فإن قمة مجموعة العشرين في سول من المرجح أن تكون بمثابة حد فاصل في تاريخ الاقتصاد السياسي العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured