أوسلو ـ بدأت طقوس الرقص حول ميدالية نوبل الذهبية منذ ما يزيد على المائة عام، وما زال هذا الرقص مستمراً وبقوة. إن جائزة نوبل تتمتع بقدر عظيم من الأمان باعتبارها رمزاً، وأسطورة، وطقساً شعائرياً. ولكن ما الذي نعرفه حقاً عن جائزة نوبل؟
في هذا الجو من السرية والأسطورية، لم تخضع جائزة نوبل للدراسة الأكاديمية الجادة إلا بعد العام 1976، حين فتحت مؤسسة نوبل ملفاتها المحفوظة. والحقيقة أن الدراسات اللاحقة التي أجراها مؤرخو العلوم لا تترك مجالاً كبيراً للشك في أن ميدالية نوبل مشوبة بالضعف الإنساني.
رغم أن العديد من المراقبين قد يقبلون قدراً من التحيز في جائزتي نوبل في الأدب والسلام، إلا أن جوائز العلوم كان من المفترض فيها منذ أمد بعيد أنها تعمل كمقياس موضوعي للامتياز والتفوق. ولكن منذ البداية، كانت الأكاديمية السويدية الملكية للعلوم المختصة بمنح جائزتي نوبل في الفيزياء والكيمياء، ومعهد كارولين المختص بمنح جائزة نوبل في الطب/الفسيولوجي، يستندان في قراراتهما إلى رأي لجنتيهما المختصتين. وبطبيعة الحال، كان فهم أعضاء هاتين اللجنتين للعلوم يشكل عاملاً حاسماً في التوصل إلى النتائج.
ومنذ البداية كانت الدائرة الداخلية التي تتألف من المؤتمنين على تقديم التوصيات تتسم بالتضارب الشخصي والمبدئي فيما يتصل بكيفية تفسير وصية ألفريد نوبل المبهمة المحيرة ولمن ينبغي أن تذهب الجائزة. ورغم محاولات أعضاء اللجنة التحلي بالنزاهة والتجرد، إلا أن آراءهم، وميولهم، ومصالحهم كانت تتدخل بالضرورة في عملهم، حتى أن بعضهم كانوا يلاحقون أجندات خاصة بهم، سواء على نحو علني صريح أو بالاستعانة بالبراعة والاحتيال.
لم يكن الفوز بأي جائزة عبارة عن عملية آلية تلقائية قط، أو بعبارة أخرى المكافأة عن إحراز مستوى غير عادي من الإنجاز. ونادراً ما أجمع المسئولون عن الترشيح على تقديم أسماء بعينها إلى اللجان، وكثيراً ما تجاهلت اللجان شروط الندرة حين يظهر مرشح قوي، مثل ألبرت آينشتاين عن عمله في نظرية النسبية. فلم يكن لدى الفيزيائيين الأكاديميين آنذاك النية للاعتراف بهذا الإنجاز النظري "حتى ولو طالب العالم كله بذلك". إن الفصل في جائزة نوبل في الواقع الفعلي للأمر حق مقصور على السويديين.
فضلاً عن ذلك فإن أي تغيير بسيط في تشكيل اللجنة من شأنه أن يحدد مصير أي مرشح. على سبيل المثال، لم يتمكن ولفغانغ باولي ـ وهو واحد من عمالقة الميكانيكا الكمية ـ من الحصول على الجائزة إلا بعد وفاة رجل اللجنة القوي سي. دبليو. أوسين في العام 1944. من ناحية أخرى كانت أكاديمية العلوم تتمرد أحياناً على لجانها. وهنا نذكر أن أحد الكيميائيين بادر مدفوعاً بضغينة ما إلى حث الأكاديمية على تجاهل توصيات اللجنة بمنح الجائزة إلى الروسي ديمتري مينديلييف الذي ابتكر الجدول الدوري.
وحتى حين يحاول كافة المعنيين بالجائزة الترفع عن ضيق الأفق والتحيز، فإن اختيار الفائزين لم يكن بالأمر اليسير في أي وقت من الأوقات ـ وما زال الأمر كذلك. ولقد اعترف أعضاء اللجان في بعض المناسبات الشخصية بأن لجنة الجائزة كثيراً ما تجد أن العديد من المرشحين يستحقون الجائزة على قدم المساواة. كانت المعايير الواضحة المتجردة لاختيار الفائزين غائبة دوماً ـ ولن تتوفر هذه المعايير أبداً.
ويذكرنا الموقف المحير الذي واجهه معهد كارولين في العام 1950 بأن كل اللجان المختصة بمنح الجوائز تواجه اختيارات صعبة في كثير من الأحيان: فبعد أربع جولات غير حاسمة من التصويت الأولي خرجت اللجنة بثلاثة بدائل أولية، إلا أن النتيجة النهائية كانت غير مؤكدة بعد. ولقد ذكر أحد أعضاء اللجنة أنه في حالة تغيب أحد الأعضاء، نتيجة لإصابته بالبرد على سبيل المثال، فقد يتم التوصل إلى قرار مختلف تمام الاختلاف.
مما لا شك فيه أن فكرة تقدم العلم بفضل جهود فردية عبقرية تتسم بالجاذبية الشديدة. إلا أن البحث العلمي يتقدم في الحقيقة بفضل جهود جماعية.
لا أحد يستطيع أن ينكر فضل العقول المتقدة الذكاء، إلا أنه من غير اللائق ومن الظلم في كثير من الأحيان أن يقتصر اعترافنا بالجميل على قِـلة من الناس رغم مساهمة العديد من العلماء الموهوبين في كشف علمي ما. ولا تسمح القواعد الخاصة بجائزة نوبل باقتسام الجائزة بين أكثر من ثلاثة أطراف، وهي بهذا تستبعد الاكتشافات التي استلزمت عمل أكثر من ثلاثة باحثين، أو تسقط أشخاصاً رئيسيين يستحقون المشاركة في الفضل.
فضلاً عن ذلك فقد بات من الواضح أن وصية ألفريد نوبل تتجاهل العديد من فروع العلم المهمة (فهي مقصورة على الفيزياء، والكيمياء، والطب/الفسيولوجي). ونتيجة لهذا فلم تحتف الجائزة ببعض أعظم الانتصارات الفكرية التي شهدها القرن الماضي، مثل تلك المرتبطة بتوسع الكون وانزياح القارات. ويصدق نفس القول على العلوم البيئية ـ التي تشكل أهمية بالغة دون أدنى شكل. من المؤكد أن الرغبة في ظهور أبطال في عالم العلوم أمر جميل، ولكن يتعين علينا أن نفهم المعايير المستخدمة في اختيار هؤلاء الذين يطالبنا المسئولون عن الجائزة بتقديرهم وتبجيلهم.
ولكن لماذا يحترم الناس جائزة نوبل؟ ثمة إجابة بسيطة على هذا التساؤل. لقد بدأ الهوس بهذه الجائزة حتى قبل الإعلان عن أوائل الفائزين بها. حيث لعب السحر الإعلامي دوراً كبيراً في رفع توقعات الناس واهتمامهم بهذه الجائزة. ولم تكن العقيدة التي تحكم هذه الجائزة تعتمد كثيراً على جدارة واستحقاق الفائزين، بقدر اعتمادها على مفهوم مفاده أن الجائزة تشكل وسيلة قوية لاكتساب الهيبة، والشهرة، والتميز.
حتى أن العلماء الذين أعربوا عن استيائهم من القصور الذي يعيب اللجنة السويدية واختياراتها الغريبة في بعض الأحيان، كثيراً ما رُشِحوا للجائزة أو مارسوا ضغوطهم لتقديم مرشحين معينين، استناداً إلى إدراكهم أن الشخص الفائز بالجائزة من الممكن أن يجتذب الانتباه والأموال نحو تخصص بحثي ما، أو معهد علمي بعينه، أو مجموعة علمية وطنية بذاتها.
ولكن هل يستفيد العلم أو المجتمع من التركيز على الجوائز وعلى تغذية ثقافة المنافسة المتطرفة؟ ربما يصبح بوسعنا، بعد أن ينقشع غموض جائزة نوبل، أن نفكر في كل ما يشكل أهمية حقيقة في العلم. والحقيقة أن روح العلم وميراثه الحقيقي، اللذين يرجعان إلى عدة قرون من الزمان، أكثر خصباً وثراءً من السعي وراء الجوائز.


Comments (0)
You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.
The two commenting options explained
Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.
1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.
2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.