Thursday, April 24, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

أسطورة "المدن الخارقة"

في بحث حديث كَـثُـر الحديث حوله تحت عنوان "المدن الخارقة"، يزعم خبراء الاقتصاد جوزيف غيوركو ، و كريستوفر ماير ، و تود سيناي أن مثل تلك المدن ذات الوضع البارز ـ ليس فقط لندن وباريس ونيويورك، بل وأيضاً مثل فيلادلفيا وسان دييغو ـ قد تبدي "فجوة متزايدة الاتساع في قيمة المساكن" مقارنة بمدن أخرى. ويبدو أن مؤلفي البحث يقولون إن موجة ازدهار الإسكان في مثل هذه المناطق قد تستمر إلى الأبد.

إن أي زعم من هذا القبيل لابد وأن يلفت الانتباه. وباعتباري متشكك معروف بشأن مسألة ازدهار أسعار الإسكان، فقد طُـلِـب مني في العديد من المناسبات مؤخراً أن أشارك في مناظرات مع واحد أو غيره من كتاب ذلك البحث.

ينظر العديد من الناس إلى نظرية المدن الخارقة باعتبارها تأكيداً لحدسهم بأنه على الرغم من التباطؤ الحالي في أسعار المساكن في مناطق أخرى (وخاصة في الولايات المتحدة)، إلا أن المستثمرين بإمكانهم أن يتوقعوا حصد مكاسب ضخمة على الأمد البعيد بشراء المساكن في مثل هذه المدن، حتى مع أن المساكن هناك أصبحت باهظة الأسعار بالفعل. ولكن كما قلت في مناظراتي مع مؤلفي البحث، إذا ما قرأ المرء بحثهم بتأني وعناية ثم تأمل هذه القضية بدقة، فلن يجد أي سبب على الإطلاق للخروج بمثل النتائج التي انتهوا إليها.

لماذا يتحتم أن تستمر قيمة المساكن في المدن الساحرة في الارتفاع إلى الأبد؟ يبرر غيوركو ، و ماير ، و سيناي زعمهم بمحاولة البرهنة على أن هذه المدن تتميز بوضع فريد حقاً. فالأراضي بها محدودة، وإذا ما افترض المرء زيادة مستمرة في الناتج المحلي الإجمالي وتفاوت متصاعد في الدخول، فلسوف يظل هناك المزيد من الأثرياء للمزايدة على الأسعار في هذه المناطق النادرة.

وهم يسوقون أدلة مقنعة لإثبات هذه الحقائق الأساسية. فالأثرياء يسكنون على نحو متزايد في أكثر المدن فخامة وتكلفة. كما شهد الناتج المحلي الإجمالي في الدول المتقدمة زيادة بلغت 3% سنوياً، بل كانت الزيادة مؤخراً أسرع في العديد من الدول الناشئة. وبالطبع، لن تزيد الرقعة المتاحة من الأراضي في هذه المدن.

ولكن ماذا تعني هذه الحجج حقاً بالنسبة لتوقعات المستثمرين في مجال الإسكان في المدن الخارقة؟

لنتناول أولاً مسألة ثبات رقعة الأرض. على الرغم من أن الأراضي محدودة في أي من المدن الخارقة الحالية، إلا أننا نستطيع في كل الأحوال أن نجد مساحات شاسعة من الأراضي حيث من الممكن أن تقوم مدينة جديدة. ومجرد قيام مدن جديدة لابد وأن يقلل من "تفرد" المدن القائمة بالفعل.

إن العواصم الجديدة المخططة تُـعَـد من بين أشهر الأمثلة على مثل هذه المدن الكبرى الجديدة، التي تبنى في أغلب الأحوال بالقرب من المركز الجغرافي للبلدان. ومن بين هذه العواصم برازيليا (في خمسينيات القرن العشرين)، وكنبرة (في العقد الأول من القرن العشرين)، وإسلاماباد (في ستينيات القرن العشرين)، ونيودلهي (في العقد الأول من القرن العشرين)، وواشنطن (في تسعينيات القرن الثامن عشر). وفي كل من هذه الحالات حرص مصممو المدينة على إنشاء البنية الأساسية للمدينة بالكامل بهدف جعلها مكاناً متماسكاً وجاذباً للسكان. وكان النجاح الواضح الذي أحرزته هذه المدن، سواء كمراكز حكومية أو اقتصادية، شاهداً على حقيقة مفادها أن الأراضي في المناطق الحضرية تستمد قيمتها من قيام مدن جيدة التخطيط عليها. وحيثما كانت الأراضي رخيصة، فإنها ستشكل قيمة عظيمة في المستقبل إذا ما أقدم شخص ما على التخطيط لمدينة كاملة وبنائها على تلك الأراضي الرخيصة.

لا أستطيع أن أنكر أن إنشاء مثل هذه المدن أمر نادر نسبياً. ذلك أن شركات الإنشاء الخاصة كثيراً ما تواجه صعوبات جمة في الحصول على رقعة ضخمة من الأرض خالية من التعقيدات والقيود. إلا أن هذه الشركات بارعة في إنشاء مناطق جديدة ساحرة لا تبعد أكثر من ساعة عن المدن الكبرى. ولقد حدث ذلك في العديد من المناطق في العالم، وبصورة منتظمة إلى الحد الذي أصبحنا معه ننظر إليه باعتباره أمراً مسلَّماً به ونادراً ما يسترعي انتباهنا.

الحقيقة أنه منذ قيام الثورة الصناعية، كان إنشاء مثل هذه المناطق الحضرية الجديدة يشكل فكرة أساسية في تاريخ العالم. فالمدن الجديدة تنضج على نحو مستمر وكأنها ثمار كرز على شجرة، الأمر الذي يدفع الناس إلى الابتعاد عن المدن الأصلية الأكثر قدماً. فضلاً عن ذلك فإن المدن الجديدة تحمل قدراً أعظم من البريق والنضارة مقارنة بالمناطق الحضرية القديمة، التي كثيراً ما ينظر الناس إليها كأماكن اعتراها الوهن والاختلاط.

ولكن إلى أي وقت نستطيع أن نتوقع لمسكن في إحدى المدن الشهيرة أن يتفوق في الأداء على بقية أشكال الملكية العقارية الأخرى باعتباره استثماراً طويل الأمد؟ الإجابة هي: ليس لوقت طويل على الإطلاق.

إن الأسعار في المدن التي ذكرها غيوركو ، و ماير ، و سيناي باعتبارها من المدن الخارقة لم ترتفع عموماً بنسبة تزيد على الواحد أو الاثنان في المائة سنوياً مقارنة بمثيلاتها في المدن المتوسطة، وذلك طيلة الفترة من العام 1950 إلى العام 2000، وحتى هذا الفارق ربما نستطيع أن نعزوه إلى الزيادة في حجم وجودة المساكن.

وطبقاً لمؤشر كولدويل بانكر لمقارنة أسعار المساكن، والذي يقارن بين أسعار المساكن العادية، التي تقوم على مساحة 2200 قدم مربع وتتألف من أربع غرف نوم، في مدن مختلفة، فإن أعلى المدن أسعاراً في الولايات المتحدة هي بيفرلي هيلز (المقر الأسطوري لنجوم السينما). وسعر المسكن العادي هناك يصل إلى 4.25 ضعف مثيله في أي مدينة متوسطة في الولايات المتحدة. وإذا ما افترضنا أن تضاعف القيمة المقارنة إلى أربعة أمثالها حدث على مدار مائة عام، فإن العائد الفائض على الاستثمار لا يتجاوز 1.5% سنوياً ـ وهذه النسبة بالطبع لا تقترب حتى من الأداء الذي يتوقعه المتحمسون للملكية العقارية.

في النهاية، وكما لاحظ غيوركو ، و ماير ، و سيناي أنفسهم، فحتى هذه الفوارق الضئيلة على الأمد البعيد في أسعار المساكن بين المدن أصبحت ذات تأثير متضائل بسبب انخفاض نسب أسعار الإيجار في المدن الخارقة. والعائد بالنسبة للمستثمر يشكل مجموع معدل الارتفاع في السعر ونسبة سعر الإيجار، وهذا يعني أن نسبة سعر الإيجار المنخفضة تقلل من ميزة ارتفاع الأسعار بصورة أسرع.

الحقيقة أن القسم الأعظم من الانتباه الشعبي الذي حظيت به نظرية "المدن الخارقة" يعكس في النهاية السيكولوجية التي قامت عليها موجة ازدهار أسعار المساكن التي شهدناها، علاوة عن انحراف التفكير القائم على التمني. إن الناس يريدون أن يصدقوا أن موجة الازدهار سوف تستمر، وأن استثماراتهم في مدينتهم المفضلة ذات طبيعة خاصة ومثيرة. ولكن لا يوجد عموماً أي سبب حقيقي يدفعنا إلى الاستثمار المكثف في المدن الخارقة. بل إن الأمر على العكس من ذلك، فالأسباب التي تدفعنا إلى القلق والتخوف من الاستثمار في مثل هذه الأماكن وفيرة.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured