Thursday, October 23, 2014
0

الاختيار الوراثي نعمة أم نِقمة

إن تقدم المعارف الإنسانية كثيراً ما يشكل نقمة مغلفة بنعمة. فعلى مدار الأعوام الستين الماضية كانت الفيزياء النووية بمثابة مثال واضح للتدليل على صدق هذه المقولة. وعلى مدار الستين عاماً القادمة قد يشكل علم الهندسة الوراثية مثالاً آخر.

فاليوم تعرض علينا الشركات المغامرة أن تخبر أياً منا، في مقابل أجر، عن جيناته. وتزعم هذه الشركات أن هذه المعرفة من شأنها أن تمنح الإنسان الفرصة للحياة لمدة أطول وبصحة أفضل. فنستطيع على سبيل المثال أن نخضع لفحوصات إضافية بغرض استكشاف العلامات المبكرة للأمراض التي قد نكون أكثر عُـرضة للإصابة بها، أو نستطيع أن نبدل أنظمتنا الغذائية بهدف تقليص خطر الإصابة بهذه الأمراض. وإذا لم تكن فرصنا في الحياة لمدة طويلة طيبة، فربما نستطيع أن نشتري المزيد من وثائق التأمين على الحياة، أو نتقاعد في وقت مبكر لكي نحظى بالوقت الكافي لكي نفعل ما كنا نرغب دوماً في أن نفعله بحياتنا.

لاقى المدافعون عن الخصوصية بعض النجاح في منع شركات التأمين من المطالبة باختبارات جينية قبل إصدار وثائق التأمين. ولكن إذا ما كان بوسع الأفراد أن يجروا اختبارات محظور على شركات التأمين أن تطالب بها، وإذا ما كان بوسع هؤلاء الذين يتلقون معلومات جينية غير مواتية أن يشتروا المزيد من وثائق التأمين على الحياة دون إلزامهم بالكشف عن نتائج الاختبارات التي خضعوا لها، فهم بذلك يغشون غيرهم من حملة وثائق التأمين على الحياة. ولسوف تضطر الشركات إلى زيادة أقساط التأمين لتغطية الخسائر، أما هؤلاء الذين علموا من خلال الفحوصات أن توقعاتهم الجينية طيبة فقد يقررون إلغاء وثائق التأمين على حياتهم حتى يتجنبوا تقديم الدعم للغشاشين، الأمر الذي سيؤدي أيضاً إلى زيادة أقساط التأمين.

حتى الآن لا توجد ضرورة للانزعاج. فقد أرسل مكتب المسئولية الحكومية العامة في الولايات المتحدة عينات جينية متطابقة إلى العديد من الشركات التي تجري مثل هذه الفحوصات، فلم يحصل إلا على نتائج متفاوتة إلى حد كبير ولا جدوى منها في أغلب الأحوال. ولكن مع تحسن العلوم فلابد وأن يأتي اليوم الذي سنضطر فيه إلى مواجهة مشكلة التأمين على الحياة.

ويثير اختيارنا لأطفالنا مشاكل أخلاقية أكثر عمقاً. وهذا ليس بالجديد. ففي الدول المتقدمة نجحت الفحوصات الروتينية للنساء الحوامل الأكبر سناً، علاوة على سماح القانون هناك بالإجهاض، في تقليل عدد الحالات الجينية لأطفال مصابين بخلل مثل عرض دون على سبيل المثال. وفي بعض أقاليم الهند والصين حيث يتلهف الأزواج على إنجاب طفل ذكر، أصبح الإجهاض يمثل الشكل الأقصى من أشكال التمييز على أساس الجنس، وكانت ممارسة ذلك النوع من الإجهاض مكثفة إلى الحد الذي جعل لدينا جيلاً كاملاً يواجه ذكوره عجزاً كبيراً في أعداد الإناث الصالحات للزواج.

إن اختيار الأبناء لا ينبغي أبداً أن يتضمن الإجهاض. لسنوات عدة كان بعض الأزواج المعرضين لخطر تمرير مرض جيني إلى أبنائهم يستخدمون التلقيح الاصطناعي خارج رحم الأم، لإنتاج العديد من الأجنة التي يمكن إخضاعها للفحص لتحديد ما إذا كانت تحمل الجين غير المرغوب، ثم زرع الأجنة التي لا تحمل ذلك الجين داخل رحم الأم. والآن أصبح الأزواج يستخدمون هذا الأسلوب لتجنب تمرير الجينات التي قد ترفع من خطر الإصابة بأنواع معينة من السرطان.

وبما أن لا أحد من البشر يخلو من بعض الجينات غير المواتية، فلن نجد خطاً يفصل بوضوح بين اختيار طفل تقل احتمالات إصابته بمرض ما عن المتوسط، وبين اختيار طفل ذي توقعات صحية وردية. وعلى هذا فلا مناص من تحرك الاختيار الجيني في المستقبل باتجاه التحسين الجيني.

بالنسبة للعديد من الآباء لا شيء أكثر أهمية من إعطاء أبنائهم أفضل بداية ممكنة في الحياة. فهم يشترون ألعاب الأطفال المكلفة من أجل رفع إمكانيات التعلم لدى أطفالهم إلى أقصى حد ممكن، وينفقون أكثر من ذلك على المدارس الخاصة أو التعليم الخاص بعد المدرسة على أمل أن يتفوق الأطفال في الاختبارات المؤهلة للالتحاق بالجامعات المتميزة. وقد لا يطول الوقت قبل أن نتمكن من تحديد الجينات التي من شأنها أن تحسن احتمالات النجاح في هذا المسعى.

سوف يبادر العديد من الناس إلى شجب هذه المحاولات باعتبارها إعادة انبعاث لعلم "تحسين النسل"، وهو العلم الذي حظي بشعبية خاصة في أوائل القرن العشرين، والذي أكد على ضرورة تحسين السمات الوراثية من خلال التدخل الفعّال. وعلى ذلك فإن الاختيار الجيني قد يعكس على نحو ما، وبصورة خاصة في ظل أنظمة الحكم الاستبدادية، الشرور التي نجمت عن الأشكال المبكرة من علم "تحسين النسل"، والتي كانت تدافع عن تبني سياسات رسمية بغيضة ومتناقضة مع العلم، وبصورة خاصة فيما يتصل بـِ"الطهارة العرقية".

لن يتسنى للدولة بدعوى السعي إلى تحقيق الصالح العام أن تفرض قواعد "تحسين النسل" قسراً في المجتمعات المتقدمة التي يحركها السوق. بل إن الأمر سوف يكون نتاجاً للاختيار من قِـبَل الآباء والأمهات، ولسوف يخضع تنظيمياً للسوق الحرة. وإذا ما أدى تطبيق هذه القواعد إلى إيجاد أجيال أكثر ذكاءً وأكثر قدرة على حل المشاكل، فهذا أمر طيب. ولكن حتى لو اتخذ الآباء والأمهات اختيارات يرون أنها لابد وأن تحقق صالح أطفالهم، فقد يتضمن الأمر كماً هائلاً من المخاطر بقدر ما يتضمن من المنافع.

في حالة اختيار جنس الطفل (ذكر أو أنثى) فمن السهل أن ندرك أن الأزواج الذين يبادرون على نحو مستقل إلى اختيار الأفضل لأطفالهم، قد ينتهي بهم الحال إلى نتائج قد تجعل كل أطفالهم في وضع أسوأ من وضعهم لو لم يكن بوسع أحد أن يختار جنس طفله. وقد يحدث أمر مشابه مع الأشكال الأخرى من أشكال الاختيار الجيني. فعلى سبيل المثال، يرتبط الطول فوق المتوسط بالدخل فوق المتوسط، ونظراً لوجود مركب جيني يتحكم بوضوح في طول القامة، فليس من الخيال في شيء أن نتصور أبوين يختاران الحصول على أبناء أطول قامة. وقد نصل في النهاية إلى "س��اق تسلح" جيني يؤدي إلى إنتاج أطفال أكثر وأكثر طولاً، الأمر الذي لن يخلو من تكاليف بيئية باهظة في ظل الاستهلاك الإضافي المطلوب لإنتاج بشر أطول قامة.

الحقيقة أن أشد العناصر إزعاجاً في بدعة الاختيار الجيني هذه، تتلخص في أن الأثرياء فقط هم الذين سيتمكنون من الحصول عليها. وبذلك فإن الفجوة القائمة بالفعل بين الأغنياء والفقراء، والتي تشكل تحدياً لأفكارنا ومثلنا بشأن العدالة الاجتماعية، سوف تتحول إلى هوة شاسعة إلى الحد الذي سيجعل مجرد المساواة في الفرص أمراً مستحيلاً. مما لا شك فيه أن لا أحد منا قد يرغب في مستقبل كهذا أو يوافق عليه.

لكن تجنب مثل هذه النتائج لن يكون بالأمر اليسير، وذلك لأن المسألة سوف تتطلب إما أن يكون الاختيار الجيني غير متاح لأي إنسان، أو أن يكون متاحاً للجميع بلا تفرقة. والحقيقة أن الاختيار الأول يستلزم فرضه قسراً، فضلاً عن الاتفاق الدولي ـ لأن كل دولة لن تقبل أن تنفرد غيرها بهذه الميزة التنافسية ـ على التخلي عن الفوائد التي قد يفضي إليها علم تحسين الجينات. أما الاختيار الثاني، والذي يتمثل في إتاحة الاختيار الجيني للجميع، فلسوف يتطلب مستويات غير مسبوقة من تقديم العون الاجتماعي للفقراء، كما سيتضمن اتخاذ قرارات صعبة إلى حد غير عادي بشأن ما الذي ينبغي على الدولة أن تتعهد بدعمه.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured