Friday, April 18, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

صُنع الإصلاح النقدي الدولي

بروكسل ـ لو كان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي هو الذي كتب بنفسه المقدمة لإحداث رئاسته لمجموعة العشرين، والتي بدأت للتو، فما كان ليفعل ذلك على نحو أفضل مما كان. لقد شابت فترة التحضير لقمة مجموعة العشرين في سول سلسلة من الخلافات حول مسألة العملة، الأمر الذي دفع بقضية الإصلاح النقدي الدولي إلى الصدارة. ورغم استقبال النوايا الفرنسية لإصلاح النظام النقدي الدولي بالشكوك والريب في مستهل الأمر، فإن الإصلاح أصبح بشكل مفاجئ وكأنه الأولوية المناسبة في الوقت المناسب.

والواقع أن هذه المهمة ليست بسيطة على الإطلاق. فالموضوع معقد وعويص، ولم يبد أي فرد أو جهة من خارج الأوساط الأكاديمية أي قدر من الاهتمام به طيلة الأعوام العشرين الماضية. وعلى هذا فلم يُطرَح حتى الآن أي اقتراح شامل على الطاولة في هذا الصدد.

والولايات المتحدة غير متحمسة بطبيعة الحال للإصلاح النقدي الدولي الذي يشكل بالنسبة لها انتقاصاً من الدور العالمي الذي يلعبه الدولار. أما الصين، التي أطلقت فكرة الإصلاح فيسعدها أن ترى أن المناقشة اكتسبت بعض الزخم ولكنها تفتقر إلى أفكار محددة. وبما أن الوقت في صالحها فإنها لا ترى سبباً للتعجل.

وتتبنى البلدان الناشئة رأياً مماثلا: فهي تريد حل مشاكلها الحالية ولكنها ليست على استعداد لإعادة كتابة قواعد اللعبة. واليابان حريصة على الإصلاح، ولكن وجهات نظرها بشأن التعاون النقدي الإقليمي لا تتطابق مع وجهات نظر الصين. أما أوروبا فهي مُحيَّرة ومنشغلة بمشاكلها وأزماتها الداخلية أكثر من أي وقت مضى.

ورغم ذلك فإن الإصلاح النقدي الدولي يمثل طموحاً مشروعا. وعلى حد تعبير فلاديمير لينين: "فإن أضمن طريقة لتدمير النظام الرأسمالي تتلخص في إفساد عملته". وينطبق نفس القول على الاقتصاد العالمي اليوم.

وحين تصبح قواعد اللعبة النقدية العالمية غير واضحة، أو منقوصة، أو عتيقة، فإن بلدان العالم تعجز عن الالتزام بها، وقد يحاول البعض استغلالها لتحقيق مصالحهم الشخصية. وهذا من شأنه أن يقوض نسيج العلاقات الاقتصادية الدولية.

وتتلخص أجندة الإصلاح في أربع مشاكل رئيسية. الأولى هي علاقات أسعار الصرف. فقد كانت عملات الدول المتقدمة معومة في مقابل بعضها البعض لعدة عقود من الزمان، ولكن هذا لا يصدق إلا جزئياً فيما يتصل بالبلدان الناشئة والنامية. فالعديد منها، وخاصة في آسيا والخليج العربي، مرتبطة بالدولار كأمر واقع، في حين ترتبط دول أخرى باليورو.

ولكن أسعار الصرف المثبتة تؤدي غالباً إلى تقويم العملات بأقل من قيمتها (كما هي الحال في الصين) أو المغالاة في تقييمها (كما هي الحال في الأرجنتين في مطلع العقد الحالي، وفي عدد من بلدان منطقة اليورو الآن، ولكن في سياق مختلف). والتعايش بين أنظمة أسعار الصرف المعومة والمثبتة أمر بالغ الصعوبة، وذلك لأن التقلبات في الأسعار تميل إلى التأثير على العملات المعومة (اليورو في كثير من الأحيان، ومؤخراً عملات أميركا اللاتينية).

لذا فإن النظام يحتاج إلى التعديل وإعادة التنظيم. والمعيار في الوقت الحالي هو الرنمينبي ـ ليس بسبب العلاقات الثنائية بين الصين والولايات المتحدة في المقام الأول، بل لأن بعض البلدان الناشئة والنامية الأخرى تراقب سعر صرف الرنمينبي في مقابل الدولار في إطار تحديدها لسياساتها الخاصة. ولا شك أن الصين تدرك أن استدامة الموقف الحالي أمر غير وارد، ولكنها تظل كارهة للتحرك بقوة في اتجاه تعزيز قوة الرنمينبي.

وتتخلص المشكلة الثانية في فرض الانضباط على السياسات الوطنية من أجل استباق إغراءات تصدير التضخم المحلية أو البطالة. وفي ظل معيار الذهب كان الانضباط تلقائيا. أما في ظل أسعار الصرف المعومة فلم يعد الانضباط تلقائيا.

ووفقاً لقاعدة غير مكتوبة نشأت على مر السنين، فإن البنوك المركزية تستطيع أن تتصرف على النحو الذي تراه مناسباً، ما دامت قادرة على الإبقاء على استقرار معدلات التضخم في الأمد المتوسط. وتضمن هذه القاعدة عادة حداً أدنى من التماسك فضلاً عن تجنيبنا ردود الأفعال المفرطة في أسعار العملة، ولكنها غير كافية في أوقات الانكماش.

ويزعم بنك الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة، وهناك بعض ما يبرر هذا الزعم، أن التيسير الكمي متوافق مع استقرار الأسعار، في حين تعتبره أوروبا والعديد من البلدان الناشئة وسيلة لتحقيق المصلحة الذاتية على حساب الآخرين. والمشكلة هي أن السياق الحالي لا يوفر مقياساً لتحديد النقطة التي لا تصبح بعدها السياسات الوطنية تعاونية.

لذا فنحن في احتياج إلى ما تسميه اللغة الاصطلاحية "الإشراف". وهنا يأتي دور صندوق النقد الدولي، بيد أن صلاحيات صندوق النقد الدولي تتوقف عند الإشراف، ولا تتجاوزه إلى فرض القواعد. وهو أيضاً دور مجموعة العشرين، ولكن لا الولايات المتحدة ولا البلدان الناشئة حريصة على فرض قيود جماعية.

وتتعلق المشكلة الثالثة بالسيولة الدولية. فالتدفقات المالية متقلبة للغاية. والدول الناشئة تكون مُغرَقة بتدفقات رأس المال في أحد الأيام، ثم تجد نفسها في مواجهة تدفق الأموال إلى الخارج على نحو مفاجئ وعلى نفس القدر من زعزعة الاستقرار.

ولمنع عملاتها من الارتفاع على نحو مفرط في الحالة الأولى، أو الهبوط إلى مستويات أدنى منا ينبغي في الحالة الثانية، لجأت البلدان الناشئة إلى تكديس الاحتياطيات من العملات الأجنبية، والتي يهيمن الدولار على ثلثيها. وتبلغ هذه الاحتياطيات الآن 15% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مقارنة بنحو 6% قبل عشرة أعوام. ولكن في النهاية، وسواء كان ذلك راجعاً إلى تأمين الذات أو إلى عجز استهداف أسعار الصرف عن تحريك الأمور إلا قليلا: فإن هذا النمو الهدّام في الاحتياطيات كان بالأمس سبباً غير مباشر للأزمة؛ أما اليوم فقد أصبح سبباً لتقويض الطلب.

ويتلخص الهدف هنا في جعل تأمين الذات بلا ضرورة من خلال ضمان القدرة على الوصول إلى خطوط الائتمان الدولية في حالة التدفقات المفاجئة لرأس المال الخاص إلى الخارج. ولقد بدأ صندوق الدولي في القيام بهذه المهمة عندما أنشأ تسهيلات ائتمانية من دون الشروط المعتادة (والمهينة) التي كان البنك حريصاً على فرضها عادة. ولكن تظل الشكوك في صندوق النقد الدولي قائمة، ولا تزال أغلب البلدان، وخاصة في آسيا، تفضل التأمين الذاتي المكلف على أي شكل من أشكال التبادلية التي يُنظَر إليها باعتبارها غير مؤكدة.

أما المشكلة الرابعة فتتلخص في التثبيت الجماعي. فالبنوك المركزية الكبرى تهتم عادة بالتضخم الذي تستطيع التحكم فيه ـ التضخم المحلي الصنع. ولكن في هذا تجاهل للتضخم العالمي المدفوع بارتفاع أسعار السلع الأساسية، والذي كان واضحاً على نحو متزايد.

ولم يكن هذا يشكل قضية مهمة في البيئة التي اتسمت بتراجع مستويات التضخم في العقد الماضي، ولكنه تحول الآن إلى قضية مهمة، ولعل هذا هو السبب الذي دفع رئيس البنك الدولي روبرت زوليك إلى اقتراح استعادة دور الذهب. والواقع أن هذه الفكرة سخيفة ـ فقد تحدث جون ماينارد كينز قبل فترة طويلة عن الذهب باعتباره "بقايا بدائية" ـ ولكن المشكلة المتعلقة بتثبيت السياسة النقدية العالمية وضمان توافقها مع التطورات الطارئة على المعروض العالمي حقيقية على الرغم من ذلك.

ذات يوم، شبه رجل الاقتصاد روبرت مونديل الحائز على جائزة نوبل النظام النقدي بالدستور السياسي، وذلك لأنه يحدد قواعد اللعبة. ولكن القياس هنا مناسب. ولكن من المؤسف أنه يشير أيضاً إلى ما تشتمل عليه مهمة إصلاح النظام النقدي الدولي من قدر هائل من الطموح والتحدي.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured