Saturday, October 25, 2014
0

صُنْع العجز التجاري في الصين

بكين ـ في شهر مارس/آذار 2010، سجلت الصين عجزاً تجارياً شهرياً بلغ 7,2 مليار دولار، وهو أول عجز تسجله منذ إبريل/نسيان 2004. ورغم ذلك، أصدر الكونجرس الأميركي في نفس الوقت تقريباً أقوى نداء له على الإطلاق لتصنيف الصين كدولة تتلاعب في أسعار الصرف، ومتهماً قادة الصين بإبقاء الرنمينبي (عملة الصين) مربوطاً بالدولار من أجل ضمان تحقيق فائض تجاري ثنائي دائم.

بيد أن العجز التجاري الذي سجلته الصين في شهر مارس/آذار يشير في المقام الأول إلى أنه من غير الصحيح أن النمو الاقتصاد في الصين يعتمد في الأساس على الصادرات. لا شك أن الصادرات تمثل جزءاً مهماً من الاقتصاد الصيني، وأي تقلبات في السوق العالمية أو صدمات خارجية لابد وأن تؤثر على النمو الإجمالي. ولكن اقتصاد الصين، شأنه في ذلك شأن أي اقتصاد ضخم آخر، مدفوع بالاستهلاك المحلي والاستثمار.

والواقع أن صادرت الصين سجلت انخفاضاً بلغ 16% في عام 2009 مقارنة بالعام الذي سبقه، وكان ذلك راجعاً إلى الأزمة المالية العالمية والركود. ورغم ذلك فقد سجل الناتج المحلي الإجمالي السنوي ارتفاعاً بلغ 8,7% بفضل نمو الاستهلاك بنسبة 16,9% (قياساً إلى إجمالي مبيعات السلع الاستهلاكية) ونمو الطلب على الاستثمار الثابت بنسبة هائلة بلغت 33,3%.

فضلاً عن ذلك، ورغم أن اعتماد الصين على التجارة يقدر الآن بنسبة 70% من الناتج المحلي الإجمالي، فإن هذا الرقم مشوه إلى حد كبير بفضل حقيقة مفادها أن الصادرات الصينية تتطلب واردات ضخمة من المواد والقطع. وعلى هذا فإن صافي القيمة المضافة لإجمالي التجارة الخارجية الصينية يشكل حوالي 15% فقط من الناتج المحلي الإجمالي.

وهذا يعني أن صافي الصادرات ساهمت بنحو 10,8% في المعدل الكلي للناتج المحلي الإجمالي، أو حوالي 1,1 نقطة مئوية فقط من النمو الذي بلغ 9% في عام 2008. وما علينا إلا أن نقارن هذا الرقم بنظيره في ألمانيا، حيث شكل صافي الصادرات 64% من النمو في عام 2008. وعلى نحو مماثل، كانت النسبة 33% في اليابان، و28,6% في كوريا، و20% في الفلبين. ومن الواضح أن الصين لا تشكل حالة خاصة في هذا الصدد.

لا شك أن الاستهلاك المحلي في الصين ليس مرتفعاً إلى الحد الذي ينبغي له، حيث بلغ 49% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2008، وحيث شكل الاستهلاك الأسري 35% منه فقط. ولقد دفعت هذه الأرقام العديد من المراقبين إلى الاعتقاد بأن الطلب المحلي الكلي منخفض، أي أن الصين بعبارة أخرى تعتمد على الأسواق الخارجية لتحقيق النمو.

بيد أن الطلب المحلي، والذي يحدد حجم الواردات، لا يتألف من الاستهلاك فحسب، بل ويتألف أيضاً من الاستثمار في الأصول الثابتة. والواقع أن النمو السريع في الاستثمار قد يترجم إلى ارتفاع في نمو الواردات والعجز.

هذا هو ما يحدث الآن في الصين على وجه التحديد. وقد يزعم بعض الناس أن نمو الاستثمار من دون نمو الاستهلاك لابد وأن يؤدي إلى الفائض في القدرة الإنتاجية ثم إلى الركود في نهاية المطاف. ربما، ولكن يتعين علينا أن نذكر أنفسنا بأن الاستثمار في الإسكان يشكل حوالي 30% من إجمالي الاستثمار الثابت في الصين، وأن قدراً كبيراً من بقية الاستثمار الثابت هناك يتم توجيهه نحو مشاريع البنية الأساسية ـ والتي تشكل في الأمد البعيد سلعاً استهلاكية عامة دائمة ـ بما في ذلك الأنفاق، والسكك الحديدية، والطرق السريعة، والمرافق العامة في المناطق الحضرية، وشبكة المياه الوطنية.

ونستطيع أن نتخيل علاوة على ذلك أن الطلب على الواردات قد يرتفع إلى عنان السماء إذا ألغت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الحظر المفروض على تصدير المنتجات المتطورة تكنولوجياً إلى الصين. فإذا حدث ذلك فإن العجز التجاري الذي سجلته الصين في مارس/آذار كان ليرتفع بنسبة 40% على الأقل.

هذا يعني أن سعر صرف الرنمينبي يشكل في الحقيقة عاملاً ثانوياً في حساب الصين الخارجي. أي أن الخلل في التوازن العالمي يمكن تصحيحه بشكل أكثر كفاءة من خلال معالجة عوامل أخرى أكثر جوهرية. والواقع أن العوامل الأساسية الكامنة وراء الخلل في التوازن الخارجي للولايات المتحدة تتلخص في العجز المالي الضخم وتدني معدلات ادخار الأسر الأميركية بسبب الإفراط في الاستعانة بالروافع المالية (الإنفاق بالاستدانة). أما العوامل الأساسية على الجانب الصيني فتتلخص في ارتفاع معدلات ادخار الشركات والأسر، هذا إلى جانب بعض التشوهات في أسعار الموارد/المنافع العامة.

والواقع أن الموقف الحالي يشير إلى أن أي تعديل كبير لأسعار الصرف قد لا يكون مطلوباً على الإطلاق من أجل تصحيح الخلل في التوازن العالمي. وإذا صح هذا وافترضنا جدلاً أن الصين لا ينبغي لها أن تقلق بشأن سعر صرف الرنمينبي، أفلا ينبغي لها أن تقلق إزاء احتمالات تعرض اقتصادها لفرط النشاط ثم الإنهاك؟ من الجدير بالذكر هنا أن كافة حالات العجز التجاري في الصين أثناء فترة الإصلاح ـ أثناء الفترة 1992-1996، وأثناء الفترة 2003-2004 ـ حد��ت في أوقات اتسمت بفرط النشاط الاقتصادي.

ولكن هناك اختلافات بين ما يحدث الآن وبين ما حدث في فترات سابقة. على سبيل المثال، حين أدى نمو الاستثمارات السريع في عام 2004 إلى فرط النشاط، كانت أسواق العالم في ازدهار ورواج. وفي ذلك الوقت كان كل من الاستثمار المحلي والواردات يتطلب إحكاماً فورياً. أما اليوم، وعلى النقيض من ذلك، فعلى الرغم من أن الاستثمار المحلي يسجل نمواً قوياً، فإن الطلب الخارجي لم يسترد عافيته بعد ولم يرجع إلى مستوياته السابقة.

وكانت النتيجة العجز التجاري في مارس/آذار، والذي كان راجعاً في الأساس إلى نمو سنوي مرتفع إلى حد غير عادي في الواردات (بنسبة 65%) مقترناً بنمو منخفض نسبياً في الصادرات، التي بلغت 24% فقط بسبب الانحدار الحاد الذي تم تسجيله في الفترة الأساسية. والواقع أن التعامل مع هذا الموقف الذي يشتمل على عامل منفرد واحد أسهل من التعامل مع الموقف في عام 2004، والذي اشتمل على عامل مزدوج. ولأن ارتفاع الطلب على الاستثمار كان مرتبطاً في الأساس بالتحفيز في هذه المرة، فقد يكون بوسع صناع القرار السياسي أن يتعاملوا معه بشكل أفضل تزامناً إذا أدركوا المشكلة.

ورغم هذا فإن نسبة تكوين رأس المال تتطلب رصداً دقيقا. ففي آخر مرة شهدت الصين مثل هذا النمو المرتفع في الاستثمار المحلي، لم تكن معدلات الادخار مرتفعة بنفس القدر الذي بلغته الآن. والمشكلة في الوقت الحالي هي أن العجز التجاري نشأ في وقت حيث ارتفع معدل الادخار الوطني إلى 51%. وهذا يعني أن الاستثمار مرتفع للغاية ـ وأنه على الرغم من ارتفاع حصة الاستثمار في البنية الأساسية، فإن الحاجة ملحة إلى التعامل بحكمة مع المخاطر المحتملة.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured