Wednesday, September 17, 2014
0

الصين وحدود هجومها الساحر

بروكسلـ يبدو أن الصين تحولت في نظر العديد من الناس في الغرب من بلدٍ "يحافظ على هدوئه ويتجنب إثارة الانتباه والدعاية" طبقاً لتعبير دنج شياو بينج، إلى بلد يعشق المجادلات الدولية والخصام. والواقع أن وضعالرئيس التنفيذي لإحدى شركات التعدين الاسترالية وراء القضبان لعشرة أعوام، وممارسة الضغوط على شركة جوجل لإحراجها وإخراجها من البلاد، ودفع الاتحاد الأوروبي إلى طريق مسدود فيما يتصل بحوار على قدر كبير من الأهمية، والسماح لموظف رسمي متوسط المستوى بالتلويح بإصبعه في وجه رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما في قمة كوبنهاجن للمناخ، كل ذلك لا يشكل الوسيلة المثلى لإقناع الشركاء بالنوايا البنّاءة.

ومن غير المطمئن أيضاً أن نتذكر أن الصين كانت، حتى الآن، حريصة كل الحرص على إضعاف العقوبات على إيران، والاستثمار في أنظمة عسكرية هجومية رئيسية، والتشنيع على زعماء الغرب واتهامهم بتبني سياسات مالية غير مسؤولة واللجوء إلى الحماية. ولكن هذا السرد لا يهدف إلى تسليط الضوء على السلوك الصيني المتمرد بقدر ما يرمي إلى توضيح المعضلة التي تعيشها البلاد الآن: فإذا ما تصرفت الصين باعتبارها قوة "عادية" فإن العالم سوف ينسى مئات الملايين من البشر الذين ما زال لزاماً على الصين أن تعمل على انتشالهم من براثن الفقر.

ويبدو أن قادة الصين مدركين لهذه المعضلة ولا يريدون في الواقع الانجرار إلى منافسة شرسة مع الغرب أو مع جيرانها. فأثناء المؤتمر الشعبي الوطني الذي عقد مؤخراً أكَّد رئيس مجلس الدولة الصيني وِن جيا باو على أن الصين لا ينبغي لها أن تحاول رفع ثِقَل يفوق وزنها، وأن الجمهورية الشعبية ما زالت في احتياج إلى المزيد من الاستقرار إذا كان لها أن تتحول إلى مجتمع يوفر الحياة الكريمة اللائقة لكل مواطنيه.

واعترافاً منها بهذا، كثفت الصين جهودها في محاولة لرأب الصدع. وكانت الزيارة التي قام بها الرئيس هو جين تاو إلى واشنطن بمثابة محاولة واضحة لتهدئة التوترات مع الولايات المتحدة بسبب مبيعات الأسلحة الأميركية لتايوان، وسعر صرف الرنمينبي (عملة الصين)، واللقاء الذي تم بين أوباما والدلاي لاما. ومن المرجح أن تبذل الصين قصارى جهدها لتعزيز موقف أكثر إيجابية بين العشرات من الزعماء الأوروبيين الذين يعتزمون زيارة معرض اكسبو العالمي في شنغهاي هذا العام.

وعلى مستوى أدنى من هذا شنت الصين هجوماً ساحراً مبهراً. فقد قررت قناة البث التلفزيوني المملوكة للدولة (CCTV)، بث برنامج عالمي خاص لشرح موقف الصين من الشئون الدولية. وفي بروكسل وواشنطن يشعر المرء وكأن مهمة الدبلوماسيين الصينيين في الوقت الحاضر تتلخص في الاجتماع بكل الناس والأخذ بمجامع قلوبهم. فلا يكاد يمر أسبوع من دون أن يلقي السفير الصيني خطبة بليغة على جمهور متباين الانتماءات.

بل وفي بروكسل يجري تنظيم اللقاءات مع أعضاء البرلمان الأوروبي، ومجتمع المال والأعمال، بل وحتى طلاب المدارس الثانوية. والآن يحرص الدبلوماسيون الصينيون على إقامة علاقات أوثق مع مؤسسات الفكر مقارنة بعلاقاتنظرائهم الأوروبيين بها، وهم يستحقون الثناء والمديح بفضل إسهاماتهم البنّاءة في الحوارات العامة.

ولكن هذا النوع من السحر لا يعوض عن الافتقار إلى التقدم على المستوى الرسمي. فمن غير المرجح أن ينجح تملق أهل النخبة الغربيين في تخفيف حالة عدم اليقين العميقة الجذور في الولايات المتحدة وأوروبا إزاء صعود الصين. وسوف يؤدي الركود الاقتصادي في الغرب لا محالة إلى تفاقم انعدام الثقة في القوى الصاعدة مع تضاؤل المكاسب النسبية الناتجة عن التجارة، ومن المرجح أن تأتي السياسات الدفاعية بل وحتى نزعات الحماية في أعقاب ذلك ـ بصرف النظر عن كم الابتسامات التي توزعها الصين على العالم.

إن الصين في احتياج إلى حوار استراتيجي ناضج، وخاصة مع الاتحاد الأوروبي. ولن يكون هذا كافياً لإنقاذ العلاقة بين الطرفين، ولكنه قد يساعد على الأقل في تحديد المصالح المشتركة، وتوضيح الخيارات السياسية، وتهيئة الظروف اللازمة لتحقيق النتائج.

ينبغي للمصالح، وليس مشاعر الصداقة والود، أن توجه السياسات. فقد يتسنى عقد أكبر عدد ممكن من القمم التجارية الضخمة، ولكن إذا لم تنجح الشركات الغربية في تأمين المزيد من القدرة على الوصول إلى السوق الصينية، أو إذا شعرت بأنها مهددة من قِبَل المؤسسات المدعومة المملوكة للدولة، فسوف تستمر العلاقات في التدهور. وربما كان بوسعنا إن ننظم المائدة المستديرة بعد المائدة المستديرة لمناقشة أهمية العلاقات التي تربطنا بالصين، ولكن إذا لم يتم التعامل على النحو اللائق مع قضايا مثل إيران أو أفريقيا أو غير ذلك من بؤر التوتر،فمن المؤكد أن الغرب سوف ينظر إلى الصين باعتبارها تهديداً أمنياً.

إن تغذية التوقعات الضخمة من دون إحراز أي تقدمأمر بالغ الخطورة أيضا. ففي الأمد القريب قد تؤدي التوقعات الضخمة إلى تضاؤل الشعور بالإلحاح بين صناع القرار لاتخاذ خطوات جدية بشأن ترجمة الطموحات إلى أفعال. وفي الأمد البعيد لابد وأن تؤدي الفجوة المتنامية في التوقعات إلى تفاقم النكسات المحتمة، بل وقد يحل المتشددون محل الزعماء السياسيين الذين ناصروا إقامة علاقات أوثق مع الصين.

في القرن التاسع عشر، كتب أوتو فون بسمارك: "إن الانهيار آت لا محالة إذا استمرت الأمور على هذا المنوال. ويتعين علينا أن نبذل كل ما بوسعنا من جهد من أجل إضعاف المشاعر السيئة، التي نشأت أثناء مرحلة النمو التي اكتسبنا بفضلها مكانة القوة العالمية العظمى. ولكي نبني هذه الثقة فمن الأهمية بمكان أن نلتزم بالشرف والانفتاح والاستجابة لمحاولات التوفيق في حالة نشوء الاحتكاكات". ولكن حتى مستشار ألمانيا الحديدي كان عليه أن يرى بعينيه كيف انزلقت القوى الأوروبية، بفضل انعدام الثقة،والشعوبية، والنزعة الاقتصادية القومية، إلى مستنقع الحروب التجارية والخصومة الدبلوماسية.

ويقدم لنا التاريخ العديد من الأمثلة لانهيار الشراكات الواعدة في جو من عدم اليقين، وهذه الأمثلة من شأنها أن تمنع الصين والغرب من التعامل مع العلاقات فيما بينها وكأنها أمر مفروغ منه. وسوف تواجه الصين صعوبة في بناء الثقة إذا تشككت أوروبا والولايات المتحدة في مستقبلهما. وسوف تظل الصين في انزعاج دائم ما دامت تخشى تفاقم نزعة الحماية أو نشوء استراتيجية احتواء جديدة.

لن يتمكن أي من الطرفين من الخروج من هذا المأزق بالكلام المعسول. وإذا كانت بكين جادة بشأن بناء الشراكات الاستراتيجية مع الغرب، فيتعين عليها أن تدعم هجومها الساحر بالأفعال وأن تأخذ زمام المبادرة في تعزيز المزيد من التعاون الفعّال.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured