بعد مرور عشرين عاماً منذ تبنى ميخائيل جورباتشوف سياسة البيريسترويكا، بدأ العديد من الناس يعربون عن حزنهم البالغ بسبب تباطؤ خطوات الإصلاح في روسيا تحت قيادة الرئيس فلاديمير بوتن. ولكن أكان من المحتمل أن تختلف الأمور عما هي عليه الآن؟ لا ينبغي أن نندهش لهذا، لأن عصري جورباتشوف ويلتسين اللذين سادتهما الاضطرابات خلفا البلاد وقد نال منها الإنهاك. من إذاً يستطيع أن يلوم أهل روسيا على شعورهم بالألم بسبب الوهن الذي أصاب عملية الإصلاح؟
ولكن إذا كان لروسيا أن تعود إلى النهوض على قدميها من جديد فإن الأمر يحتاج إلى المزيد من الإصلاح. ولكن قبل الشروع في جولة جديدة من الإصلاحات، يتعين علينا أولاً أن نفهم بعض المبادئ الأساسية التي تحكم القدرات السياسية لروسيا.
إن السؤال الأول الذي يتعين على كل من يريد الإصلاح في روسيا أن يوجهه إلى نفسه في هذه الأيام (وهو السؤال الذي لم يطرحه أحد أثناء فترة البيريسترويكا التي تبناها جورباتشوف) هو كالتالي: هل المجتمع مجهز لتحمل الآلام التي تفرضها عملية الإصلاح على الأمد القصير، وما مدى تقبل الناس لتحمل الألم؟
إن تجربة البيريسترويكا لتؤكد على أهمية هذا السؤال.
بدأت البيريسترويكا في لحظة فريدة من تاريخ روسيا. فقد جاءت الإصلاحات العظمى التي شهدها الماضي، بما في ذلك تحرير أقنان الأرض في العام 1861، بعد أعوام طويلة من المناقشات بين المستغربين، ومؤيدي الرق وآخرين. كما جاءت ثورة عام 1905 ثم ثورة عام 1917 في وقت حيث كانت تلك المناقشات قد وصلت إلى منتهاها، وأصبح بوسع الجميع أن يميزوا بين أنصار كل اتجاه.
قرأت ذات يوم أن تعيين ستالين لأول مرة في منصب من المناصب العليا بالحزب كان عن طريق الخطأ. ولكن ما زال من الواضح أن الحزب بالكامل كان يدرك تمام الإدراك من هو ستالين بالتحديد. وحين ائتمنه البلاشفة على مسئولية دعوة الجمعية العمومية للحزب إلى الانعقاد، فقد كانوا يدركون تمام الإدراك ماذا يريدون أن يفعلوا بالجمعية العمومية، لأنهم كان يعرفون أن ستالين شخص لا يتوقف عند حدود أبداً.
أما البيريسترويكا فقد كانت مختلفة، وذلك لأن النقاش حولها لم ينته بعد: حيث دارت مناقشات محتدمة لا حصر لها حول استراتيجيات العمل التي كان ينبغي على جورباتشوف أن يتبناها. فضلاً عن ذلك، فقد كانت كل عصور الإصلاح والثورات السابقة في روسيا مرتبطة بنموذج تاريخي محدد. أما البيريسترويكا فلم تكن لها سابقة تاريخية. ذلك أن التحول من اشتراكية الدولة إلى المجتمع الرئاسي لم يحدث في أي مكان آخر. وعلى هذا فقد جاءت البيريسترويكا في فترة من الخواء التاريخي.
ولكن مما يدعو للأسف أن هذه التجربة تتكرر الآن من جديد. فالعديد من الزعماء السياسيين المنتمين إلى أحزاب سياسية مختلفة يظهرون في لمحات على شاشات التلفاز الروسي، لكننا لن نجد حواراً وطنياً حقيقياً حول كيفية التقدم بالبلاد نحو الأمام. فنحن لا نحرز تقدماً نحو اختيار توصلنا إليه بعد مناقشات عديدة.
أما الدرس الثاني الذي ينبغي علينا أن نتعلمه من البيريسترويكا فهو يتعلق ببرنامج الإصلاح. فبعد عقدين من التغييرات الهائلة، لم يصبح لدى روسيا حتى الآن برنامج حقيقي للإصلاح البنـّاء. أو بتعبير أكثر معاصرة، ليس لدينا خريطة طريق. من الناحية العملية يعرف الجميع ما هو غير المقبول وما الذي ينبغي علينا أن نتخلص منه. لكننا ببساطة لا نعرف ما الذي ينبغي أن يحل محل ما سنتخلص منه.
من المؤكد أن الخروج من الاشتراكية كان حدثاً غير مسبوق. كما أن الكثير مما بنته الاشتراكية كان لابد وأن يهدم. لكن كل ما بُـنِي كان قائماً على الشعارات، ولم يستند إلى برامج تهدف إلى التغيير ويسهل على البسطاء من الشعب الروسي فهمها واستيعابها. وكل ما يدور الآن مجرد جدال لا نهاية له، ولا يقدم لنا بدائل عملية يصلح إخضاعها للنقاش واتخاذ القرار بشأنها.
يكمن أحد الأسباب التي تجعل المناقشات الدائرة حول الإصلاح في روسيا عقيمة وبلا جدوى افتقار الدولة إلى وجود أحزاب سياسية مترابطة. فأثناء فترة البيريسترويكا وطيلة فترة ولاية يلتسين كان التراث السائد يتمثل في تلك الكراهية الواسعة الانتشار والخوف من الحزب الشيوعي بكل ما يملك من قوة وسلطان. ولقد امتد هذا الخوف إلى كافة الأحزاب السياسية، الأمر الذي أدى إلى احتجاب الرغبة في تأسيس أحزاب قوية. لكن كل هذا الشك من جانب الأحزاب السياسية كان يعني ببساطة عدم وجود هيئة منظمة في البلاد تلتزم بتنفيذ برنامج إصلاحي متماسك ومحكم الإعداد. ولما كانت الإصلاحات تصدر بقرارات ومراسيم من القيادات العليا، فقد افتقرت إلى التأييد من عامة الشعب ـ وبالتالي فقدت القدرة على الاستمرار.
لم تبذل القيادات سوى محاولات مباشرة لاستمالة الشارع وعامة الناس، بدلاً من تشجيعهم على التوصل إلى اتفاق جماعي. والحقيقة أن هذه الأساليب المباشرة كانت بمثابة معين لا ينضب للاستبداد. ويتعين علينا أن ندرك أن هذا لا ينشأ فقط حين يصاب عامة الناس باللامبالاة أو يتملكهم الخوف، لكنه ينشأ أيضاً حين لا يجد الناس هيئة واضحة ومستقرة يحتمون بها، مثل الأحزاب السياسية القوية القادرة على اختيار القيادات ومحاسبتها.
ونتيجة لهذا فقد باتت روسيا الآن في مواجهة موقف حيث القضية السياسية الوحيدة هي انتخاب الرئيس. إن ما تحتاج إليه روسيا في واقع الأمر يتلخص في منظمات اجتماعية وسياسية قوية ومستقلة تستطيع أن تحدد الخطوات التي لابد وأن تتخذ في أي انتخابات رئاسية بهدف تحريك السياسات، وبهذا تصبح مسألة من ينبغي أن يتولى الرئاسة أمراً ثانوياً. وبهذا المفهوم فإن الجهود التي يبذلها بوتن مؤخراً لتكريس ضوابط أكثر إحكاماً من قِـبَل الدولة على المنظمات الخاصة، تثير الانزعاج على نحو خاص.
أما الدرس الأخير والأكثر أهمية فهو يتعلق بخطوات الإصلاح وتوقعات المجتمع. أو بعبارة بسيطة، يتعين على الحكومة أن تلتقي مع الناس في منتصف الطريق. لكن هذا لا يعني اختزال عملية الإصلاح بحيث تصبح بلا شرعية قانونية، لمجرد استمالة جموع الناس والفوز بالحظوة لديهم. إنه لطريق وعر، لكنه الطريق الوحيد الذي يستحق أن نسلكه.
لقد أثبتت لنا البيريسترويكا والأعوام العشرة التي تلتها من الإصلاح أن مجرد محاكاة البنية الرسمية لنموذج الديمقراطية الغربية لا يكفي إذا ما كنا نريد للإصلاح في روسيا أن يتم على نحو متماسك وراسخ. ذلك أن هذا النموذج، كما رأينا في روسيا، يؤدي إلى ديمقراطية شعوبية وإصلاح تعوزه الثقة وثبات الخطوات. والحقيقة أن الدولة أصبحت الآن في حاجة إلى التزام أعمق بعملية الإصلاح. ولن يتسنى هذا إلا إذا أشركت مؤسسات الدولة الشعب الروسي في نوع من الحوار المفتوح الذي نفتقر إليه الآن. ينبغي علينا أن نودع الديمقراطية الشعوبية المبتذلة وأن نتبنى الغاية الحقيقية من الديمقراطية ـ ألا وهي إشراك كافة المواطنين في إدارة حكومتهم.


Comments (0)
You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.
The two commenting options explained
Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.
1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.
2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.