Thursday, October 30, 2014
4

معضلة التدخل

كمبريدج ــ تُرى متى يتعين على الدول أن تتدخل عسكرياً لوقف الأفعال الوحشية التي تُرتَكَب في دول أخرى؟ إن هذا السؤال قديم ومطروح في كل مكان. والواقع أنه الآن مطروح على خلفية الأحداث الجارية في سوريا.

في عام 1904، قال الرئيس الأميركي تيودور روزفلت: "هناك جرائم عَرَضية ترتكب على نطاق واسع وبقدر غير عادي من الترويع، حتى يصبح من واجبنا أن نتدخل بقوة السلاح". قبل قرن من الزمان تقريبا، في عام 1821، وبينما كان الأوروبيون والأميركيون يتناقشون حول ما إذا كان عليهم أن يتدخلوا في نضال اليونان من أجل الاستقلال، حَذَّر الرئيس جون كوينسي آدامز رفاقه الأميركيين من "التوجه إلى الخارج بحثاً عن وحوش ندمرها".

في وقت أقرب إلى الزمن الحاضر، وبعد الإبادة الجماعية التي راح ضحيتها ما يقرب من ثمانمائة ألف إنسان في رواندا في عام 1994، وذبح الرجال والفتيان البوسنيين في سربرينيتشا في عام 1995، تعهد كثير من الناس بأن مثل هذه الأفعال الوحشية لا ينبغي أن تحدث مرة أخرى أبدا. وعندما انخرط سلوبودان ميلوسيفيتش في ممارسات التطهير العرقي على نطاق واسع في كوسوفو عام 1999، تبنى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قراراً يعترف بالكارثة الإنسانية هناك، ولكنه عجز عن الاتفاق على قرار ثاني يسمح بالتدخل، نظراً لتهديد روسيا باستخدام حق الفيتو (النقض). وبدلاً من ذلك قامت دول منظمة حلف شمال الأطلسي بقصف صربيا في محاولة اعتبرها العديد من المراقبين خطوة شرعية ولو أنها غير قانونية.

في أعقاب ذلك، أمر الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان آنذاك بتشكيل لجنة دولية توصي بالطرق التي يمكن بها التوفيق بين التدخل لأغراض إنسانية والفقرة 2,7 من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تحفظ للدول الأعضاء سلطانها على الداخل. ولقد خَلُصَت اللجنة إلى أن الدول تتحمل المسؤولية عن حماية مواطنيها، ومن الواجب مساعدتها في القيام بهذه المهمة عن طريق الوسائل السلمية، ولكن إذا تجاهلت دولة ما هذه المسؤولية بالهجوم على مواطنيها، يصبح بوسع المجتمع الدولي أن ينظر في التدخل المسلح.

ثم في قمة الأمم المتحدة العالمية التي انعقدت في عام 2005، تبنت الدول الأعضاء بالإجماع فكرة "المسؤولية عن الحماية"، ولكن أحداثاً لاحقة أظهرت أن ليس كل الدول الأعضاء فسرت القرار بنفس الطريقة. فقد زعمت روسيا أن قرارات مجلس الأمن فقط، وليس الجمعية العامة، تُعَد قانوناً دولياً ملزما. وفي الوقت نفسه استخدمت روسيا حق النقض ضد قرار مجلس الأمن بشأن سوريا، وعلى نحو لا يخلو من المفارقة، استدعي أنان لتكليفه ببذل جهد، كان عديم الجدوى حتى الآن، لوقف المذبحة هناك.

وحتى العام الماضي، كان العديد من المراقبين ينظرون إلى مبدأ المسؤولية عن الحماية باعتبارها في أفضل تقدير أملاً كاذباً أو فشلاً نبيلا. ولكن في عام 2011، وبينما كان العقيد معمر القذافي يعد العدة لإبادة معارضيه في بنغازي، استحضر مجلس الأمن مبدأ المسؤولية عن الحماية باعتبارها الأساس لقرار يفوض منظمة حلف شمال الأطلسي باستخدام القوة المسلحة في ليبيا. وفي الولايات المتحدة، كان الرئيس باراك أوباما حريصاً على الانتظار إلى أن تصدر القرارات عن جامعة الدول العربية ومجلس الأمن، وبالتالي يتجنب التكاليف التي قد تتحملها القوة الناعمة الأميركية والتي تحملتها إدارة جورج دبليو بوش عندما تدخلت في العراق في عام 2003. ولكن روسيا والصين ودولاً أخرى استشعرت أن حلف شمال الأطلسي استغل القرار للتخطيط لتغيير النظام، بدلاً من الاكتفاء بحماية المواطنين في ليبيا.

الواقع أن مبدأ المسؤولية عن الحماية لا يتعلق الشرعية السياسية والقوة الناعمة بقدر ما يرتبط بالقانون الدولي الصارم. ويزعم بعض المحامين الغربيين أن هذا المبدأ يستتبع المسؤولية عن مكافحة الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب بموجب العديد من المعاهدات الدولية الخاصة بالقانون الإنساني الدولي. ولكن روسيا والصين ودولاً أخرى لا ترغب في توفير أساس قانوني أو سياسي لتحركات كتلك التي جرت في ليبيا.

وهناك أسباب أخرى لعدم نجاح مبدأ المسؤولية عن الحماية في حالة سوريا. إن هذا المبدأ المستمد من نظرية "الحرب العادلة" التقليدية، لا يستند إلى النوايا الحسنة فحسب، بل وأيضاً توفر احتمال معقول للنجاح. ويسلط العديد من المراقبين الضوء على أهمية الاختلافات الكبيرة بين ليبيا وسوريا والتي قد تجعل من فرض مناطق حظر الطيران أو حظر المرور البري أمراً معقداً للغاية. ويزعم بعض السوريين المعارضين لنظام الرئيس بشار الأسد، في إشارة إلى بغداد في عام 2005، أن الشيء الوحيد الأشد سوءاً من الدكتاتور هو الحرب الأهلية الطائفية.

وتشكل بعض هذه العوامل أعراضاً لمشاكل أضخم تتعلق بالتدخلات الإنسانية. فبادئ ذي بدء، كثيراً ما تختلط الدوافع (كان روزفلت يشير إلى كوبا على أية حال). ونحن نعيش فضلاً عن ذلك في عالم من الثقافات المتنوعة، ولا نعرف إلا أقل القليل عن الهندسة الاجتماعية وكيفية بناء الأمم. وعندما نكون عاجزين عن التيقن من الكيفية التي قد نحسن بها العالم، فإن الحذر يصبح فضيلة بالغة الأهمية، أما الرؤى المتغطرسة فإنها قد تشكل خطراً داهما. إن السياسة الخارجية، شأنها كشأن مهنة الطب، لابد أن تسترشد بمبدأ "تجنب إلحاق الضرر أولا"، أو "لا ضرر ولا ضرار".

والحذر لا يعني أننا لا نستطيع أن نفعل أي شيء في سوريا. فبوسع حكومات أخرى أن تواصل محاولاتها لإقناع روسيا بأن تستطيع أن تخدم مصالحها بشكل أفضل بالتخلص من النظام الحالي وليس بالسماح بدفع خصومة إلى المزيد من التطرف. وبوسع العقوبات الأكثر صرامة أن تستمر في نزع الشرعية عن النظام، ومن الممكن أيضاً إقناع تركيا باتخاذ خطوات أشد صرامة ضد جارتها سوريا.

ولا يعني الحذر أن التدخلات الإنسانية سوف تفشل دوما. ففي بعض الحالات، حتى لو كانت الدوافع مختلطة، فإن احتمالات النجاح تكون معقولة، ويصبح في الإمكان تخفيف معاناة وبؤس شعب دولة ما بتكاليف متواضعة. لا شك أن التدخلات العسكرية في سيراليون، وليبريا، وتيمور الشرقية، والبوسنة، لم تسفر عن حل كل المشاكل، ولكنها نجحت في تحسين حياة الناس هناك. وبطبيعة الحال فشلت تدخلات أخرى ي تحقيق هذه الغاية ــ كما حدث في الصومال.

كانت التدخلات الأخيرة الواسعة النطاق في العراق وأفغانستان، ولو أنها لم تكن إنسانية في المقام الأول، سبباً في تآكل وتراجع الدعم الشعبي للعمل العسكري. ولكن ينبغي لنا أن نتذكر قصة مارك توين عن قطته. فبعد جلوسها على موقد ساخن، لن تجلس على موقد ساخن مرة أخرى أبدا، ولكنها أيضاً لن تجلس على موقد بارد.

إن التدخلات سوف تستمر في الحدوث، ولو أنها من الأرجح الآن أن تكون أقصر زمنا، وأن تشتمل على قوات أصغر حجما، وأن تعتمد على التكنولوجيات التي تسمح بالعمل من مسافات أبعد. وفي عصر الحرب الإلكترونية والطائرات بدون طيار، لا أحد يستطيع أن يتنبأ بنهاية مبدأ المسؤولية عن الحماية أو التدخلات الإنسانية.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

Hide Comments Hide Comments Read Comments (4)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedMukesh Adenwala

    I don't think there can be a clear answers on the topic:
    One more dimension of this issue is this question: If my neighbor is psychologically tormenting his family members (though not physically not physically beating his spouse or children) whether I should intervene? If yes, when, and how?
    When North Korea or a warlord in African country, subjugates its population keeping them in perpetual deprivations, does it make a case for active intervention or not? Can there ever be clear answers to such questions?

  2. CommentedMariana Kalil

    I humbly offer a comment of mine over Brazil's stance on humanitarian interventions and its intentions to be increasingly recognized as a significant actor, which follows Dr. Nye's always rather contributing considerations.
    http://theworldoutline.com/2013/08/humanitarian-interventions-and-brazils-bid-for-a-unsc-permanent-seat/

  3. CommentedZsolt Hermann

    I truly do not have an answer to the main question, as on one hand it is very difficult to justify standing by while thousands of people die in different conflicts or from other causes, on the other hand even the recent experience with military interventions show that usually the state after those interventions became worse than it was before.
    Basically the question relates to the "firefighting", how to reduce the symptoms, but it does not deal with the main problem, the source.
    To use a different example when the Mexican Gulf oil leak happened huge efforts were invested to treat the problem on the surface and it is still dealt with as far as I know, but until the leak was stopped at the bottom of the Gulf there was no hope for any resolutions.
    All our present problem in the Middle East or any other region are the result of hatred, incitement, based on very deep cultural, racial or religious differences.
    We can fight or use diplomatic power as much as we want, but until we close the "tap", correct the source of the problem we will keep fighting a losing battle.
    And the only way of stopping the hatred, incitement, separation along the lines of any of our inherent differences is education.
    We need a completely new global education program for all of us, which instead of simply producing "good workers, and consumers" as it happens today, we should try to truly "educate", raise human beings instead of robots necessary for the consumer society.
    If this new education program concentrates on what connects us, how much we are interdependent, and how much we can achieve and benefit with mutual cooperation, then new generations and adults alike would be able to rise above their differences and start working as a global unit in that new mutual space we create.
    And then suddenly we will find we do not need to answer the main question of the article. And this could happen much sooner than we think.

      CommentedIan Arbuckle

      As always, I am positively impressed by your comment, but you write;

      "We can fight or use diplomatic power as much as we want, but until we close the "tap", correct the source of the problem we will keep fighting a losing battle."

      You put it as clearly as it can be put, but the other "tap" or source that has to be governed, and the one that is far trickier is the one of the greater outside political interests which "use" the same turmoil to further their interests and ends. Example: Syrian civil war ; Assad's thugs against local Saudi and Qatari backed thugs with Israel and US doing their part in the shadows and in a haze of half propaganda half truths all being milked by all sides. Ambassador Susan E. Rice, is certainly not concerned about saving lives of Syrian women and children as much as weakening Iran and destabilizing Hezbollah by insisting on regime change. She is perfectly aware that such a regime change would create a vacuum of power filled with sectarian extremism and vengeance, killing thousands more.

      If only nations with power gave a little more than lip service to the ideals of the UN rather than wearing the organization as a fig leaf for domination, interference, and regime change, the fundamental question of this article would certainly be easier to answer.

      In this complex interdependent world some conflicts are fueled and fired for completely spurious reasons. And if the intentions were honestly to preserve the lives of ordinary people other nations wouldn't keep throwing matches into tinderboxes.

Featured